شكّل كانون الأول/ديسمبر 2024 قطيعة في التاريخ السوري. فقد أنهى نظامًا استمر ثلاثة وخمسين عامًا بُني على الديكتاتورية، والاعتقال الممنهج، والجرائم ضد الإنسانية، مطويًا فصلًا كان قد بدأ في آذار/مارس 2011 بوصفه انتفاضة شعبية، ثم سرعان ما انحدر إلى نزاع مسلح معقد ومتعدد المستويات، ومواجهة إقليمية بالوكالة، وصراع ذي طابع دولي. وما بدأ كاحتجاجات من أجل الكرامة والحقوق الأساسية، تحوّل إلى ساحة قتال مجزأة تضم فصائل مسلحة ومصالح أجنبية، وانتهى في نهاية المطاف، عبر السنوات، إلى الحملة العسكرية «عملية ردع العدوان» التي أطاحت بنظام الأسد، بقيادة هيئة تحرير الشام وحلفائها على الأرض.
لم يكن العام الذي تلا سقوط النظام مجرد مرحلة «ما بعد نزاع»، بل كان مرحلة انتقالية بعمق. فقد كان عامًا مشبعًا بالأحداث التي كشفت في الوقت نفسه عن إمكانات هذه المرحلة الجديدة وهشاشاتها: تشكيل الحكومة الانتقالية، والاشتباكات العنيفة في الساحل في آذار/مارس 2025، والتفجير الإرهابي لكنيسة مار إلياس في دمشق، وإصدار الإعلان الدستوري، ومؤتمر انتصار الثورة السورية (كانون الأول/ديسمبر 2024)، واشتباكات السويداء في الجنوب. وقد تركت كل واحدة من هذه اللحظات أثرها ليس فقط على حياة الناس، وعلى البنية التحتية المتضررة أصلًا في البلاد، وعلى النظام السياسي الناشئ، بل أيضًا على المنظومة الإعلامية التي حاولت وصف ما كان يحدث، أو تبريره، أو منازعته، أو إسكات بعض جوانبه. وبعبارة أخرى، فإن الصراع على الأرض والمؤسسات انعكس في صراع موازٍ على السردية.
يضع هذا التقرير تلك المنظومة الإعلامية في قلب التحليل. فهو يتعامل مع السنة الأولى بعد سقوط الأسد بوصفها مختبرًا كثيفًا وغير مكتمل، تتنافس فيه جهات فاعلة جديدة وقديمة على تعريف معنى «سوريا» ومن يتحدث باسمها. وبدلًا من افتراض أن تغيير النظام ينتج تلقائيًا إعلامًا حرًا وتعدديًا، ننطلق من الفرضية المعاكسة: وهي أن البنى الإعلامية، والأطر القانونية، والثقافات المهنية غالبًا ما تحمل استمراريات عميقة، حتى عندما تتغير الأعلام والوجوه والشعارات. لذلك فإن السؤال المركزي الذي يحرّك عملنا ليس فقط ما الذي جرى تناوله إعلاميًا خلال هذه السنة الانتقالية، بل من امتلك السردية، وتحت أي قواعد، ولمصلحة من.
للإجابة عن ذلك، ينظم التقرير تحليله ضمن ثلاثة مسارات تحليلية رئيسية. يرسم المسار الأول خريطة المنظومة الإعلامية والجهات الفاعلة فيها: المؤسسات المرتبطة بالدولة التي بقيت قائمة أو أُعيد توظيفها، والوسائل المستقلة الناشئة، والمنصات المقربة من الفصائل، والمبادرات الممولة من الخارج. ويتطرق هذا المسار إلى ملكية هذه الجهات، وارتباطاتها، وتوزعها الجغرافي، وتنوعها اللغوي، متسائلًا إلى أي مدى يبدو المشهد الإعلامي بعد الأسد أكثر تعددية، وأين تظهر أشكال جديدة من السيطرة أو الإقصاء.
يتعمق المسار الثاني في الإطار القانوني والتنظيمي الذي بدأ يتبلور خلال هذه الفترة: شروط الترخيص للصحافة المطبوعة، والإذاعة، والتلفزيون، والمنصات الإلكترونية؛ وإجراءات الاعتماد؛ والمراسيم والقرارات الداخلية التي تنظّم من يُسمح له بالعمل، وتحت أي شروط، وبأي مخاطر. ومن خلال قراءة هذه النصوص في ضوء ممارستها الفعلية، يستكشف التقرير ما إذا كانت القواعد الجديدة تفتح مساحة أمام الصحافة المستقلة، أم تعيد إنتاج آليات النظام السابق تحت مظلة سياسية مختلفة، ولا سيما من خلال حراسة البوابة التنظيمية، والبنود الفضفاضة المتعلقة بـ«خطاب الكراهية» أو «التحريض»، ومركزة التصاريح والموافقات.
أما المسار الثالث، فينتقل إلى السردية حول مجموعة من الأحداث السياسية والأمنية المفصلية: سقوط النظام نفسه، واشتباكات الساحل، وتشكيل الحكومة الانتقالية، وأحداث السويداء. وهنا ينتقل التركيز من سؤال «من هو موجود؟» إلى سؤال من يمتلك السردية أو الهيمنة على الخبر ، متتبعًا كيف أطّرت الجهات المختلفة هذه الأزمات، وأي أصوات جرى تضخيمها أو محوها، وكيف وُزّعت المسؤولية واللوم. ومن خلال تجميع هذه السرديات موضوعيًا حول الوحدة والفرز، والحماية والتهديد، والضحية والانتصار، يبيّن التقرير كيف استخدمت السلطات الانتقالية، والجماعات المسلحة، ومراكز القوى الأخرى الإعلام لترسيخ الشرعية، وإزاحة اللوم إلى الخارج، وتأطير ما يمكن قوله.
وعلى امتداد التقرير، يجمع التحليل بين المقاربتين الكمية والنوعية: الرصد المنهجي للاعتداءات على الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي؛ والقراءة المتأنية للنصوص القانونية والاتصالات الرسمية؛ وتحليل سرديات التغطية الإعلامية عبر الأحداث والوسائل المختلفة. ولا يهدف التقرير إلى تقديم تاريخ شامل للمرحلة الانتقالية في سوريا، بل إلى تقديم سردية نقديةعلى الوقائع حول كيفية تحوّل الحقل الإعلامي نفسه إلى ساحة مركزية للسلطة في هذه اللحظة الهشة من مرحلة ما بعد الأسد.




