المركز السوري للإعلام وحرية التعبير
باريس، 30 آذار/مارس 2026
يرحب المركز السوري للإعلام وحرية التعبير (المركز) بالتقرير الأخير الصادر عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، والمتعلق بالانتهاكات الجسيمة التي شهدتها محافظة السويداء في تموز/يوليو 2025. ويثمّن المركز الجهود الكبيرة التي تبذلها اللجنة في توثيق هذه الانتهاكات والتحقيق فيها واستمرار تعاونها مع منظمات المجتمع المدني والضحايا بما يسهم في كشف الحقيقة وتعزيز فرص المساءلة.
يقدم التقرير مؤشراً واضحاً على استمرار هشاشة الوضع في سوريا، حيث ماتزال ترتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وجرائم دولية في ظل غياب المحاسبة وترسّخ الإفلات من العقاب. فالوقائع التي وثّقتها اللجنة تؤكد أن ما جرى في السويداء امتداداً لنمط متكرر من العنف قد يرقى في جزء منه إلى جرائم حرب، في سياق يستمر فيه تورّط أطراف تابعة للحكومة الانتقالية، بما في ذلك قوات الأمن الداخلي (الأمن العام) والجيش العربي السوري.
وفيما لم تتوصل اللجنة، بحسب التقرير، إلى معلومات تشير إلى وجود خطة حكومية مركزية مسبقة لاستهداف المدنيين، فإنها أشارت إلى أن المعطيات التي وثّقتها، بما في ذلك سرعة تصاعد العنف بين 14 و16 تموز/يوليو وإشراك مقاتلين غير نظاميين من العشائر والإخفاق في اتخاذ إجراءات فعّالة لمنع عنف كان متوقعاً، قد تعكس وجود توجهات أو قرارات على مستوى بعض القيادات الميدانية أسهمت في تسهيل وقوع الهجوم على المدنيين أو عدم منعه. وبالتالي خلصت اللجنة إلى أنه من المعقول الاستنتاج بأن القوات الحكومية ومقاتلي العشائر الذين يعملون إلى جانبها قد انخرطوا خلال الفترة ذاتها في عمليات قتل خارج نطاق القانون والتعذيب وسوء المعاملة استهدفت بشكل رئيسي السكان المدنيين في القرى الغربية ذات الغالبية أو الخليط الدرزي وفي أحياء مدينة السويداء، وذلك في إطار سياسة تنظيمية على مستوى بعض القيادات أتاحت ارتكاب هذه الأفعال.
وهو ما يرى المركز أنه يشكّل مؤشراً خطيراً على استمرار إخفاق الحكومة الانتقالية في حماية المدنيين، سواء من خلال مشاركة أفراد تابعين لها مباشرة في الانتهاكات، أو نتيجة عدم التدخل الفعّال لوقف الانتهاكات أثناء العمليات، أو السماح بمشاركة مقاتلين من العشائر وعدم منع تدخلهم، بما أسهم في تصعيد العنف وتوسيع نطاقه. وهذا يكشف عن خلل بنيوي في منظومة اتخاذ القرار والسيطرة الميدانية، ويعكس غياب رقابة فعالة وآليات مساءلة قادرة على ضمان حماية المدنيين. وفي الوقت ذاته، ارتكبت جماعات مسلحة محلية في السويداء انتهاكات جسيمة، وفقاً للتقرير، بما يعكس تعدد الجهات المنخرطة في العنف واتساع نطاقه.
وفي هذا السياق، يرى المركز أن استمرار غياب المساءلة الفعلية عن الانتهاكات منذ سقوط النظام، بما في ذلك عن أحداث الساحل وحماة في آذار/مارس من العام الماضي، وعدم اتخاذ الحكومة الانتقالية إجراءات جدية، بما في ذلك عزل الأفراد المتورطين ومحاسبتهم واتخاذ تدابير فعالة لمكافحة خطاب الكراهية وتجريم التحريض، قد أسهما بشكل كبير في تكرار هذه الأنماط من العنف. ويؤكد أن استمرار هذا النهج لا يؤدي إلا إلى استمرار دائرة العنف وإنتاج المزيد من الانتهاكات ويقوّض أي إمكانية لردعها.
وفي ظل استمرار هذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في الكثير من المناطق السورية، يعود المركز ويؤكد على الدور المحوري الذي تلعبه لجنة التحقيق الخاصة بسوريا في هذا السياق من خلال تحقيقاتها المحايدة والموضوعية، مما يعكس ضرورة استمرار عملها وتمديد ولايتها، باعتبارها آلية أساسية لتوثيق الانتهاكات وتحديد المسؤولين عنها، في ظل غياب مسارات وطنية فعالة وموثوقة مجتمعياً للمساءلة حتى الآن.
وأخيراً، يرى المركز أن ما وثقه التقرير يشكل اختباراً حقيقياً لمدى جدية السلطات في مسار العدالة والمساءلة خلال المرحلة الانتقالية، وأن عدم اتخاذ خطوات فعلية سيؤدي إلى استمرار دوامة العنف وتقويض فرص تحقيق سلام مستدام في سوريا.
وبناءً عليه، يدعو المركز السوري للإعلام وحرية التعبير الحكومة السورية الانتقالية إلى:
- تنفيذ توصيات لجنة التحقيق بالكامل ودون تأخير وبشفافية تامة، باعتبار ذلك خطوة أساسية لإنهاء الإفلات من العقاب ومنع تكرار الانتهاكات.
- إيقاف جميع الأفراد المشتبه بتورطهم في انتهاكات جسيمة، بما في ذلك من يشغلون مواقع قيادية في الأمن العام ووزارة الدفاع، عن العمل مؤقتاً إلى حين استكمال تحقيقات جنائية مستقلة وشاملة وشفافة، وتقديم من يثبت تورطه إلى محاكمات علنية تضمن معايير المحاكمة العادلة.
- التعجيل بإطلاق مسار عدالة انتقالية شفاف وشامل يضمن كشف الحقيقة وتحقيق المساءلة وجبر الضرر ووضع ضمانات عدم التكرار. وكذلك التعجيل في وضع استراتيجية وطنية للعدالة الانتقالية من قبل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بمشاركة جميع أصحاب المصلحة بما في ذلك المجتمع المدني والضحايا.
- إجراء إصلاحات هيكلية حقيقية وشفافة في القطاعين الأمني والعسكري، بما يشمل:
- فرض تدريب منتظم وإلزامي على القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان والقوانين الوطنية ذات الصلة،
- ضمان التعريف الواضح بهوية جميع عناصر الأمن والجيش،
- حظر تشكيل أو تشغيل أي مجموعات مسلحة خارج إطار السلطة الشرعية للدولة.
- إنشاء آلية رسمية وشفافة للتنسيق والتبليغ والمتابعة بين وزارة الداخلية والمنظمات الحقوقية السورية، بما يضمن توثيق الانتهاكات بشكل منهجي وتعزيز الاستجابة لها ودعم مسارات المساءلة وحماية الضحايا.
وفي الختام، يؤكد المركز التزامه في الاستمرار في توثيق الانتهاكات المرتكبة من قبل جميع الأطراف في سوريا، ومواصلة تعاونه مع لجنة التحقيق الدولية وغيرها من الآليات الوطنية والدولية ذات الصلة، دعماً لمسارات الحقيقة والعدالة وإنصاف الضحايا. حيث كان المركز قد ساهم في دعم جهود التوثيق عن أحداث السويداء من خلال تزويد اللجنة بمواد موثّقة شملت أكثر من 300 مقطع فيديو جرى التحقق منها من قبل فريق المركز، إضافة إلى مواد رقمية أخرى تتعلق بخطاب الكراهية والتحريض، وقوائم بالضحايا في السويداء تضمنت نحو 1400 ضحية من الدروز، و70 من البدو والعشائر، و250 من عناصر الأمن والجيش التابعين للحكومة الانتقالية، فضلاً عن قائمة بالمفقودين تضم قرابة 600 شخص، إلى جانب قوائم بالضحايا والمفقودين خلال أحداث جرمانا وصحنايا العام الماضي.




