سوريا أمام مفترق طرق : إمّا أن ننتصر على خطاب الكراهية , أو أن ننتهي.
بمناسبة اليوم الدولي لمكافحة خطاب الكراهية، يؤكد المركز السوري للإعلام وحرية التعبير أن بناء سوريا ديمقراطية قائمة على المواطنة والعدالة وسيادة القانون لا يمكن أن يتحقق في ظل انتشار الخطابات التي تحرض على الكراهية أو التمييز أو العنف ضد الأفراد والجماعات أو أي شكل آخر من أشكال الهوية.
لقد شهدت سوريا، خلال سنوات النزاع الطويلة (وكأحد نتائجه) وما بعد سقوط النظام، تصاعداً مقلقاً في خطاب الكراهية بمختلف أشكاله، خاصّة عبر الفضاء الرقمي و وسائل الإعلام أو الخطاب العام. انعكست مباشرةً على أرض الواقع في شكل تحريض وتوترات مُجتمعيّة أنتهى جزء منها إلى أعمال عنف وانتهاكات استهدفت أفراداً وجماعات في سياقات مُتعدّدة، لا سيما خلال الأحداث الدامية التي شهدتها بعض المناطق السورية في المرحلة الانتقالية، بما فيها مناطق الساحل والسويداء وغيرها من الأحداث التي نشهدها الآن في إدلب وحماه ودمشق وغيرها من المناطق، حيث أظهرت الوقائع أن خطاب التحريض على العنف والكراهية كان في كثير من الحالات جزءاً من البيئة التي سبقت أو رافقت أو بررّت الانتهاكات على الأرض.
إنّ هذه التطوّرات تؤكد أنّ خطاب الكراهية ليس مجرد تعبير لفظي أو نقاش حاد في الفضاء العام، بل هو عامل خطير يمكن أن يسهم في تغذية العنف على الأرض، وتوسيع دوائر الاستهداف، وتقويض فرص الوصول إلى العدالة والمساءلة، وتهديد السلم الأهلي في لحظات سياسية واجتماعية حساسة. وفي ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا، تكتسب مواجهة خطاب الكراهية أهمية مضاعفة، إذ إن نجاح مسارات العدالة الانتقالية والمصالحة المجتمعية وإعادة بناء الثقة بين السوريين والسوريات يتطلب فضاءً عاماً يرفض التحريض والإقصاء ويعزز الاعتراف المتبادل بالحقوق والكرامة الإنسانية.
إن خطاب الكراهية لا يهدد الأفراد المستهدفين فحسب، بل يقوض أسس التعايش المجتمعي، ويعرقل جهود العدالة الانتقالية وكشف الحقيقة والمساءلة، ويغذي دوائر الانتقام والإقصاء، ويضعف الثقة الضرورية لبناء دولة تحترم حقوق جميع مواطنيها ومواطناتها دون تمييز.
وفي هذا السياق، نؤكد أن مكافحة خطاب الكراهية لا تعني تقييد حرية الرأي والتعبير أو الحد من النقد المشروع أو النقاش العام. فحريّة التعبير حق أساسي يجب حمايته وضمانه، وهي شرط لا غنى عنه لأيّ مجتمع ديمقراطي. وفي المقابل، لا يجوز استخدام هذا الحق ذريعة للتحريض على العنف أو التمييز أو العداء ضد الآخرين. وتنسجم هذه المقاربة مع التزامات القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تحظر الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضاً على التمييز أو العداء أو العنف. كما نؤكد أهمية الاستناد إلى خطة عمل الرباط (تشرين الأول/ أكتوبر 2012) بوصفها مرجعاً دولياً أساسياً في معالجة خطاب الكراهية، لما توفره من معايير تساعد على التمييز بين التعبير المحمي بموجب الحق في حرية الرأي والتعبير، وبين الدعوة إلى الكراهية التي تشكل تحريضاً على التمييز أو العداء أو العنف. ويكتسب اعتماد هذه المعايير أهمية خاصة في السياق السوري، بما يسهم في حماية المجتمع من مخاطر التحريض، ويحول في الوقت نفسه دون إساءة استخدام مفهوم خطاب الكراهية لتقييد الحريات العامة أو تجريم النقد المشروع.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير إطار قانوني وطني واضح ومتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، يجرّم التحريض على الكراهية والعنف والتمييز، ويضع تعريفات دقيقة ومحددة لخطاب الكراهية، ويؤمن ضمانات قانونية وقضائية تمنع إساءة استخدام هذه النصوص أو توظيفها لأغراض سياسية.
وفي الوقت نفسه، نحذر من التوسع في استخدام مفهوم “خطاب الكراهية” بصورة فضفاضة أو غير دقيقة، بما يؤدي إلى تقييد الحريات العامة أو ملاحقة المعارضين والصحفيين والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان وأصحاب الآراء الناقدة. فالتعبير عن الرأي، مهما كان حاداً أو صادماً أو مخالفاً للسائد، لا ينبغي أن يُصنَّف كخطاب كراهية ما لم يتضمن تحريضاً مباشراً أو غير مباشر على العنف أو التمييز أو العداء ضد الأفراد أو الجماعات. إن حماية المجتمع من خطاب الكراهية وحماية حرية التعبير ليستا هدفين متعارضين، بل مسؤوليتان متكاملتان يجب تحقيقهما معاً.
كما نؤكد أن مواجهة خطاب الكراهية لا يمكن أن تعتمد على العقوبات القانونية وحدها، بل تتطلب سياسات شاملة تشمل التعليم والإعلام والثقافة والفضاء الرقمي، وتعزز قيم المواطنة المتساوية واحترام التنوع والاختلاف.
ويتحمل الإعلام السوري، بمختلف وسائله ومنصاته، مسؤولية خاصة في هذا المجال. فالإعلام المهني والمستقل يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة التحريض والتضليل والاستقطاب، من خلال الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، وتجنب التعميم والوصم والتحريض، وإعطاء الأولوية للحقائق والأصوات المتنوعة، والمساهمة في تعزيز الحوار المجتمعي القائم على الاحترام المتبادل.
كما ندعو منصات التواصل الاجتماعي وكذلك المؤثرين/ات على وسائل التواصل الاجتماعي إلى تحمل مسؤولياتهم/ن في الحد من انتشار المحتوى المحرض على الكراهية والعنف، بما يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان ويحفظ في الوقت نفسه الحق في حرية التعبير والوصول إلى المعلومات.
إن مستقبل سوريا يتطلب فضاءً عاماً آمناً يحمي التعددية ويعزز الحوار ويصون كرامة الجميع. ومواجهة خطاب الكراهية ليست مسؤولية قانونية أو مؤسساتية فحسب، بل هي مسؤولية مجتمعية مشتركة تقتضي رفض التحريض والإقصاء، والتصدي لمحاولات بث الخوف والعداء بين السوريين والسوريات، والعمل من أجل بناء مجتمع يقوم على المساواة والكرامة والعدالة وسيادة القانون.
في اليوم الدولي لمكافحة خطاب الكراهية، نجدد دعوتنا إلى بناء بيئة قانونية وإعلامية ومجتمعية ترفض التحريض والتمييز، وتحمي في الوقت نفسه حرية التعبير باعتبارها ركناً أساسياً من أركان أي مجتمع ديمقراطي.
إن سوريا تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم: فإما أن تنتصر قيم المواطنة وسيادة القانون والكرامة الإنسانية، وإما أن يواصل خطاب الكراهية والتحريض على العنف تمزيق المجتمع وتقويض أسس الدولة نفسها. إن التغاضي عن هذه الخطابات أو التساهل معها لن يؤدي إلا إلى إنتاج موجات جديدة من الانقسام والانتقام والعنف، بما يهدد وجود الدولة السورية وقدرتها على النهوض من جديد. لذلك، فإن التصدي الحازم لخطاب الكراهية، بالتوازي مع حماية حرية التعبير، هو واجب وطني لا يحتمل التأجيل، وشرط أساسي لبناء مستقبل آمن وعادل لجميع السوريين والسوريات.




