يعرب المركز السوري للإعلام وحرية التعبير عن بالغ قلقه إزاء الشهادة المصورة التي ظهرت فيها السيدة ولاء المحمود، المنحدرة من ريف جبلة، والتي أفادت فيها بتعرضها للاختطاف بتاريخ 25 آذار/مارس 2026، ثم للاحتجاز في فيلا المسؤول الأمني عن مدينة جبلة (ذكرت في الفيديو لقبه واسمه الحقيقي). حيث تعرضت، بحسب شهادتها، للإكراه على تناول حبة (قد تكون مادة مخدِّرة)، أعقب ذلك تعرضها لاعتداءات جنسية متكررة من قبله. وأضافت أنه جرى لاحقاً نقلها إلى مركز أمني قرب الشاطئ الأزرق في محافظة اللاذقية، حيث تعرضت مجدداً لاعتداءات جنسية من الشخص ذاته، كما لم تتمكن طوال فترة احتجازها من التواصل مع أسرتها أو الاستعانة بمحامٍ ولم يُكشف لذويها عن مكان احتجازها، الأمر الذي يثير شبهة استغلال الشخص المذكور لصفته الأمنية ونفوذه في احتجازها ونقلها إلى المركز الأمني والاستمرار في الاعتداء عليها.
كما أفادت السيدة ولاء بأنه أثناء احتجازها في المركز الأمني بمحافظة اللاذقية كانت هناك امرأة أخرى محتجزة في ظروف صحية ونفسية متدهورة، وأنها سمعت خلال فترة احتجازها أصوات تعذيب لمحتجزين آخرين داخل مكان الاحتجاز.
وفي حال ثبتت صحة هذه الادعاءات، فإنها قد تشكل جرائم جسيمة وانتهاكات خطيرة للقانون السوري والقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك الخطف والإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي والعنف الجنسي والتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة والتهديد والتعسف في استخدام السلطة، الأمر الذي يستوجب إجراء تحقيق فوري وفعال وشفاف ومحاسبة جميع المسؤولين عنها، بمن فيهم كل من أمر أو سهل أو تستر أو امتنع عن منع هذه الانتهاكات أو الإبلاغ عنها.
يؤكد المركز أن حماية جميع الأشخاص الموجودين على الأراضي السورية، دون أي تمييز، تمثل التزاماً قانونياً يقع على عاتق الدولة السورية. ويقتضي هذا الالتزام اتخاذ جميع التدابير التشريعية والإدارية والقضائية اللازمة لمنع الانتهاكات وإجراء تحقيقات فورية وفعالة ونزيهة في جميع الادعاءات المتعلقة بها ومحاسبة جميع المسؤولين عنها، بصرف النظر عن مناصبهم أو صفاتهم، وضمان حق الضحايا في الوصول إلى سبل الانتصاف الفعالة وجبر الضرر، بما يسهم في ترسيخ سيادة القانون ويشكل ضمانة لعدم تكرار مثل هذه الانتهاكات في المستقبل.
كما يؤكد المركز أن الاخفاء القسري والاحتجاز التعسفي والتعذيب والاعتداءات الجنسية المرتكبة أثناء الحرمان من الحرية أو في أماكن الاحتجاز تعد من أخطر انتهاكات حقوق الإنسان، نظراً لما تنطوي عليه من استغلال كامل لسيطرة الجناة على الضحية، وما تتركه من آثار جسدية ونفسية طويلة الأمد. وتزداد خطورة هذه الأفعال عندما يكون مرتكبوها من الأشخاص الذين يمارسون سلطات أمنية أو رسمية أو يتمتعون بنفوذ فعلي، إذ تشكل اعتداءً خطيراً على سيادة القانون وتقوض ثقة المجتمع بمؤسسات الدولة، وتضعف قدرة الدولة على الاضطلاع بمسؤوليتها في حماية الحقوق وإنفاذ القانون، كما قد تسهم في تأجيج التوترات المجتمعية وزيادة مخاطر العنف، وتستوجب استجابة قضائية ومؤسسية عاجلة وحازمة.
وانطلاقاً من ذلك، يدعو المركز السوري للإعلام وحرية التعبير السلطات السورية إلى:
- الإسراع في إجراء تحقيق جنائي شفاف في جميع الوقائع الواردة في شهادة السيدة ولاء المحمود ومحاسبة جميع المسؤولين عنها وفقاً للقانون في حال ثبت تورطهم.
- اتخاذ تدابير فورية وفعالة لحماية الضحية وأفراد أسرتها والشهود، وضمان عدم تعرضهم لأي أعمال انتقام أو ترهيب أو ضغط.
- الوقف الفوري عن العمل لكل من يرد اسمه أو يشتبه في تورطه في هذه الوقائع إلى حين انتهاء التحقيقات، ضماناً لنزاهتها ومنعاً للتأثير في الأدلة أو الشهود، ودون مساس بقرينة البراءة.
- التحقيق في المسؤولية الجنائية لجميع الأشخاص الذين شاركوا أو أمروا أو سهلوا أو تستروا على هذه الأفعال، وكذلك أي مسؤولين قد يثبت علمهم بها أو تقصيرهم في منعها أو الإبلاغ عنها أو ملاحقة مرتكبيها.
- تحديد جميع أماكن الاحتجاز التي وردت في الشهادة، والكشف عن وضعها القانوني وإخضاعها للرقابة القضائية وضمان عدم وجود أي أماكن احتجاز خارج إطار القانون.
- ضمان التعامل مع الضحية وفق نهج يراعي احتياجات الناجيات من العنف الجنسي، وبما يتوافق مع المعايير الدولية المتعلقة بتوثيق جرائم العنف الجنسي والتعذيب، مع احترام إرادتها وخصوصيتها وسرية المعلومات المتعلقة بها.
- ضمان محاسبة جميع المسؤولين، أياً كانت صفاتهم أو مناصبهم، في محاكمات نزيهة وعادلة تستوفي المعايير الدولية.
وفي الختام، يشدد المركز على أن الإفلات من العقاب في جرائم الإخفاء القسري والتعذيب والعنف الجنسي يشكل أحد أخطر عوامل تقويض سيادة القانون وإعادة إنتاج الانتهاكات، وأن ترسيخ الثقة في مؤسسات الدولة خلال المرحلة الانتقالية يقتضي إظهار التزام واضح بمبدأ خضوع الجميع للمساءلة وعدم التسامح مع أي انتهاك، بصرف النظر عن هوية مرتكبه أو موقعه أو نفوذه.
وسيواصل المركز السوري للإعلام وحرية التعبير متابعة هذه القضية وتوثيق المعلومات المتعلقة بها والدعوة إلى إجراء تحقيقات نزيهة وشفافة تكشف الحقيقة وتضمن محاسبة جميع المسؤولين وتكفل حقوق الضحية في الحماية والإنصاف وجبر الضرر.




