محاكمة رئيس قسم التحقيق في قوات الدفاع الوطني في سلمية، بـ لاهاي – هولندا – محضر مراقبة جلسات اليوم الثالث والرابع

30/04/2026

جلسات الاستماع ليومي 13 و 14 نيسان/أبريل 2026:

اليوم الثالث (جلسة 13 نيسان/ أبريل 2026):
تنويه 

لا تُعد هذه الوثيقة سجلاً رسمياً لجلسة المحكمة، وإنما هي ملخص جرى إعداده بالتعاون مع ‘مؤسسة نوهانوفيتش’ (Nuhanovic Foundation) استناداً إلى ملاحظات ميدانية جُمعت من خلال حضور ممثليها لجلسات المحاكمة. كما نود التنويه بأن هذه الترجمة هي ترجمة غير رسمية، نُشرت لأغراض المعلومات فقط، ولا تُعتبر وثيقة قانونية معتمدة 

تركز اليوم الثالث من الجلسات على التهم المتبقية المتعلقة بثلاثة مدعين، جرت الإشارة إليهم في المحكمة بالرموز (H) و(F) و(D)، ثم انتقلت إلى الظروف الشخصية للمتهم، بما في ذلك مناقشة تقرير التقييم النفسي. ومنذ البداية، أوضحت المحكمة أن مداولات اليوم ستغطي الادعاءات المتعلقة بالتعذيب، والإساءة الجسدية، وفي حالة واحدة، العنف الجنسي بوصفها جرائم ضد الإنسانية. ومن جانبه، جدد المتهم رفضه التام لهذه الادعاءات، مكرراً زعمه الأوسع بأن المدعين مرتبطون بـ (أحرار السلمية) ويشاركون في جهد منسق لتلفيق التهم ضده زوراً.

في مستهل الجلسة، اشتكى المتهم من طمس أجزاء من ملف القضية الخاص به، وأوضح أنه نظراً لعدم إلمامه باللغة الهولندية، فإنه يعتمد بشكل كلي على المترجمين، مما يحول دون وصوله إلى المادة القانونية وفهمها بشكل سليم. وردت المحكمة بأنها تملك النسخة ذاتها من الملف، وأفادت بأن أي مسائل تتعلق بحجب المعلومات (التمويه) يمكن للدفاع معالجتها لاحقاً. ومع ذلك، منح رئيس المحكمة المتهم فرصة محدودة لتوضيح موقفه القائل بأن الشهود يعملون ضده كجزء من مؤامرة. وفي ذلك السرد الأولي، تحدث المتهم بإسهاب عن مدينة السلمية، وديناميكيات الاحتجاجات المحلية، وفصائل المعارضة المسلحة، وأشخاص ربطهم بأحداث وقعت لاحقاً. وقد حاولت المحكمة مراراً إبقاءه تركيزه منصباً على التهم المحددة قيد النظر.

انتقلت المحكمة بعد ذلك إلى أقوال (H). ووفقاً لملخص القاضي، ذكر (H) أنه شارك في الاحتجاجات المناهضة للحكومة منذ عام 2011 فصاعداً، وأنه لم يكن ينتمي لأي تيار سياسي محدد سوى معارضة النظام السوري، وأنه سلم نفسه لاحقاً بعد اعتقال شقيقه وإعطائه مهلة للمراجعة. وأفاد بأنه نُقل إلى موقع وُصف بأنه مزرعة بالقرب من السلمية، حيث عُصبت عيناه، وقُيد، وتعرّض للإهانة والاستجواب العنيف. وتضمنت إفادته تعرضه للضرب المطول، والتعريض القسري للبرد بعد الضرب، والتعليق بوضع مقلوب، والركل، والضرب بالأحذية العسكرية، وإدخال مسدس في دبره أثناء الاستجواب، مقترناً بتهديدات بقطع أصابعه وإجباره على وضع بصماته على وثائق. كما وصف إصابات طويلة الأمد، لا سيما في كتفه الأيسر وأنفه، وذكر أنه لم يكن يعرف في البداية حتى ماهية التهم الموجهة إليه. وفيما يتعلق بتحديد الهوية، صرح (H) بأنه تعرف على المتهم بشكل أساسي من خلال صوته ومن خلال لمحة خاطفة من تحت عصابة العين، واصفاً رجلاً عريض الجبين يرتدي نظارات، وقصير القامة وممتلئ البنية، وقال إن التفاصيل السياقية اللاحقة قادته إلى الاستنتاج بيقين شبه تام بأن المتهم هو ذاته المستجوب. كما أشارت المحكمة إلى نقاط مؤيدة من ملفات ذات صلة، بما في ذلك إفادات تشير إلى وجود إصابات ظاهرة على (H) والمعتقلين الآخرين، وأن المواد المستمدة من المصادر العامة ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي تدعم واقعة الاعتقالات.

انتقلت المحكمة بعد ذلك إلى ملف (F)، الذي عُرض بوصفه مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بملف (H). وأفاد (F) أنه كان مراهقاً في ذلك الوقت، ووصف كيف قامت عناصر من قوات الدفاع الوطني، يستقلون مركبات متعددة، بمحاصرة المنطقة واحتجاز والده في نهاية المطاف لإجباره على تسليم نفسه. وذكر أنه بعدما سلم نفسه، نُقل إلى المعتقل وخضع لاستجوابات متكررة على مدار عدة أيام. وتضمنت إفادته تعرضه للضرب في جميع أنحاء جسده، وتهديدات بقتله وقتل عائلته، وسكب الماء الساخن عليه بعد فقدانه للوعي، وركلات على الرأس والوجه، وإصابات في العين والفك، وضربات على الأعضاء التناسلية والأرداف، والتعليق بوضع مقلوب، والصعق بالكابلات الكهربائية، وإجباره على التبصيم على وثائق لا يعلم محتواها. وذكر أيضاً أنه حاول في إحدى المرات تحرير يديه وإزالة عصابة العين والتوسل إلى المتهم ليتوقف. وقد حدد هوية المتهم من خلال معرفة سابقة به، موضحاً أن المتهم كان زبوناً في كشك الخضار التابع لوالده، بالإضافة إلى التعرف عليه من خلال صوته وما تمكن من رؤيته من تحت العصابة أثناء الاستجوابات. وأشارت المحكمة كذلك إلى أقوال (D) و(H) بشأن حالة (F) الجسدية بعد الانتهاكات، بما في ذلك التورم والدماء والوهن الواضح. كما تمت الإشارة إلى المادة الطبية الواردة في الملف، والتي تشير إلى آلام جسدية مستمرة، وأضرار في الأقراص والفقرات، وإصابة في الكاحل، وعواقب نفسية خطيرة بما في ذلك الصدمة (Trauma). بالإضافة إلى ذلك، أشارت المحكمة إلى مواد منشورة على فيسبوك توثق اعتقال (F) وإطلاق سراحه لاحقاً، وإلى سجل مرئي يُزعم أنه يمكن التعرف فيه عليه من بين الأشخاص الذين اعتقلتهم قوات الدفاع الوطني (NDF).

تظهر المادة المتعلقة بـ (D) في الملف الثاني المرفوع، وتبدأ بتكملة لما ورد في الملف الأول. وأشارت المحكمة إلى بحث مستمد من مصادر عامة يظهر أن مجموعة على فيسبوك مرتبطة بـ (أحرار السلمية) كانت قد نشرت في أكتوبر/تشرين الأول 2013 أن 143 شخصاً قد اعتُقلوا في السلمية، وأن اسم (D) ورد في تلك القائمة بتاريخ 20 أكتوبر/تشرين الأول 2013. عقب ذلك، استجوب الادعاء المتهم بشأن أقوال أدلى بها سابقاً بخصوص (D) والمجموعة التي ينتمي إليها. وعلى وجه التحديد، ضغط الادعاء عليه في الأسئلة حول كيفية معرفته بأن مجموعة (D) قد نُقلت إلى دمشق بواسطة (فاضل الوردة)، وكيف عرف أنهم عوملوا معاملة حسنة في مكتب ذلك المسؤول. أجاب المتهم بأنه أوضح ذلك من قبل، وقال إنه سمع الأمر من مدير الناحية، ونقل عنه غضبه من أن التدابير المحلية السابقة قد عُرقلت بسبب تدخل (فاضل الوردة). وقد طعن الادعاء في مصدر هذه المعرفة وما إذا كان المتهم قد عاين أيًا من ذلك بنفسه. وكان هذا السجال لافتاً لأنه كشف عن نزعة المتهم إلى تقديم ادعاءات واقعية مع مقاومة تحديد مصدر معلوماته بشكل واضح.

وعند منحه فرصة إضافية للرد على الادعاءات المتعلقة بـ (H) و(F) و(D)، استمر المتهم في نفي تورطه الشخصي، وانتقل مراراً إلى شن هجمات أوسع على الشهود. ودفع – من بين أمور أخرى – بأن رواية (H) حول نقله لمسافة كيلومترين فقط لا تتوافق مع الجغرافيا الخاصة بموقع الاحتجاز المزعوم، وأن عمر (F) غير مؤكد لأن تسجيل المواليد في سوريا يتأخر أحياناً ويُعتمد بشكل موحد في بداية العام، كما زعم أن المدعين الثلاثة مرتبطون بفصائل مسلحة أو جهات معارضة. وحاول المتهم عدة مرات مخاطبة الشهود مباشرة، لاتهامهم بالضلوع في عمليات قتل أو اختطاف أو التعاون مع جماعات مسلحة، والطعن في مصداقيتهم بالإشارة إلى أشخاص وأحداث في مدينة السلمية. وقد قاطعته المحكمة أكثر من مرة، مذكرة إياه بوجوب توجيه حديثه إلى هيئة المحكمة بدلاً من مواجهة الشهود مباشرة. وفي إحدى المراحل، أضاف أن مسائل الإصابات والآثار الجسدية يجب أن تُترك لخبراء طبيين، بدلاً من الفصل فيها بناءً على ما يُسمع أو يُلاحظ مجرد ملاحظة في الشهادات.

كما لفت الادعاء الانتباه إلى تقرير تفسيري في ملف القضية يتعلق بألقاب التبجيل العربية المتكررة الواردة في أقوال الشهود، لا سيما ألقاب «سيدي» و«معلم» و«أستاذ»، وأوضح أن هذه المصطلحات يمكن أن تعبر عن السلطة أو الرتبة أو المكانة الاجتماعية، بما في ذلك في الأوساط العسكرية. ويبدو أن هذا كان ذا صلة بكيفية وصف الشهود لدور الجناة أو مكانتهم في رواياتهم. وأشار الادعاء أيضاً إلى استلام نصوص إضافية تتعلق بأحد الشهود، لكنها لم تُعرض رسمياً بعد على المحكمة، وأفادت هيئة المحكمة بأنه يمكن معالجة هذه المواد لاحقاً أثناء تقديم المذكرات الختامية.

بعد الانتهاء من مناقشة الادعاءات المتبقية، انتقلت المحكمة إلى الظروف الشخصية للمتهم. وأشار القضاة إلى اعتقاله في ديسمبر/كانون الأول 2021، وشكواه المستمرة من ظروف السجن، وغضبه تجاه النظام العدلي والشرطة، وحقيقة أنه خضع لتقييم من قبل أخصائيين نفسيين. ولخصت المحكمة تقريراً صادراً عن ‘مركز بيتر باين’ (Pieter Baan Centre)، مشيرةً إلى أن طبيباً سابقاً كان قد لاحظ أعراضاً توحي بوجود اضطراب ما بعد الصدمة، إلا أن التقييم الجنائي اللاحق لم يتمكن من إثبات وجود اضطراب نفسي واضح أو اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) على وجه اليقين. وأفادت المحكمة بأن التقرير وصفه بأنه مستقر بوجه عام، ورزين في سلوكه، ومتعاون أثناء التقييم، ويقدم نفسه كشخص ذي مكانة، مع ملاحظة وجود حدة عاطفية وقدرة محدودة على التعاطف. كما لُوحظ أن الباحثين لم يجدوا حالة عقلية من شأنها أن تؤثر على سلوكه فيما يتعلق بالتهم المنسوبة إليه.

رفض المتهم ذلك التقييم، وذكر أن حالته النفسية قد جرى تجاهلها لمدة 28 شهراً، واشتكى مجدداً من أن كل ما يصل إليه في السجن هو باللغة الهولندية، وأنه لا يزال يعتمد كلياً على المترجمين الذين لا يستطيع التحقق من دقة ترجمتهم. كما انتقد الأساليب المتبعة في التقرير، ونفى ما ورد في إفادة مترجمة تشير إلى قبوله بالعنف في بعض الظروف، واحتج على الضغوط التي تمارس على عائلته من خلال تواصل الشرطة المتكرر معهم. وعندما سُئل بشكل مباشر عن رأيه في الاستنتاجات الطبية، سخر من أحد الباحثين وجادل بأن شخصاً كهذا لا يمكنه تقييم ما إذا كان يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة بمصداقية. ومع ذلك، صرح بأنه إذا كان الشهود يقولون الحقيقة، فإن ما حدث لهم أمر مؤسف للغاية؛ أما إذا كانوا يكذبون، فمن المخزي أن تنشغل الحكومة والمحكمة بقضية كهذه.

اتسمت الجلسة أيضاً بحدوث احتكاكات متكررة بشأن الإجراءات؛ فقد ذكر القضاة المتهم مراراً بوجوب اختصار إجاباته، وعدم تحويل ردوده إلى خطابات، وعدم التحدث مباشرة إلى الشهود. وفي مرحلة ما، تم إيقاف البث المباشر مؤقتاً بسبب اضطرار أحد الحاضرين في شرفة الجمهور للمغادرة. وبحلول نهاية اليوم، أشارت المحكمة إلى أنها انتهت من مناقشة الادعاءات الواقعية المتبقية لتلك الجلسة، كما غطت الوضع الشخصي للمتهم. وأفادت كذلك بأن المرحلة الإجرائية التالية ستتضمن مذكرات الادعاء (المرافعات)، والتي سيعقبها منح المتهم فرصة أخرى للكلام.

___________________________________________________________________________________________________________________

اليوم الرابع (14 أبريل/نيسان 2026 – الاستماع إلى أقوال الضحايا):

تركزت الجلسة بشكل أساسي على أقوال الأطراف المتضررة، حيث خاطب عدد من الضحايا المحكمة مباشرة من خلال ممثلهم القانوني، وفي بعض الحالات، من خلال إفادات شخصية. وقد اتسمت الجلسة بتركيز شديد على أثر الجرائم المزعومة، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي.

في مستهل المرافعات، قام محامي الضحايا، الذي يمثل تسعة أشخاص (حضر سبعة منهم في قاعة المحكمة)، بوضع الإجراءات في سياقها الأوسع ضمن الانتفاضة السورية عام 2011. وأوضح أن العديد من الضحايا كانوا قد شاركوا في مظاهرات سلمية في مدينة السلمية خلال المراحل الأولى من الربيع العربي، مطالبين بالحقوق الأساسية، والإصلاح الديمقراطي، والإفراج عن المعتقلين. وشدد المحامي على أن هذه الاحتجاجات قوبلت بقمع عنيف، مما أدى إلى وقوع عمليات اعتقال واحتجاز وممارسات تعذيب واسعة النطاق.

كان الموضوع المحوري طوال الجلسة هو التباين بين روايات الضحايا ونسخة الأحداث التي قدمها المتهم. وشدد ممثل الضحايا على أن الأشخاص المعنيين لم يكونوا مرتبطين بجماعات مسلحة، بل كانوا مدنيين عاديين شاركوا في احتجاجات سلمية. وفي هذا السياق، جرى التشكيك مراراً في مصداقية رواية المتهم، التي رسمت واقعاً مختلفاً.

استمعت المحكمة إلى أوصاف تفصيلية لدور قوات الدفاع الوطني (NDF)، التي يُزعم أن المتهم قد انضم إليها. فقد عملت قوات الدفاع الوطني كمليشيا فضفاضة الهيكلية، غالباً ما كانت تتألف من أفراد ذوي خلفيات إجرامية، وتحركهم – جزئياً على الأقل – دوافع المكاسب المادية. وأشارت الشهادات إلى ممارسات شملت أعمال النهب، والاعتقالات التعسفية، والابتزاز، حيث زُعم أن إطلاق سراح المحتجزين كان مشروطاً بدفع مبالغ مالية طائلة.

وصفت روايات الضحايا، كما جرى تلخيصها في المحكمة، نمطاً متسقاً لظروف الاحتجاز وأساليب الإساءة؛ وشمل ذلك عصب العينين، والتقييد بأربطة بلاستيكية (Cable ties)، والإجبار على اتخاذ وضعيات جسدية معينة، والإذلال الممنهج. وأشارت إفادات عدة إلى أن المتهم كان يؤدي دوراً قيادياً في الاستجوابات، ويصدر الأوامر، ويشارك مباشرة في أعمال العنف. كما وصف الضحايا إجبارهم على مخاطبته باستخدام ألقاب تدل على السلطة، مما عزز البيئة الهرمية والقسرية للاحتجاز.

أُولِيَ اهتمام خاص لاستخدام الإذلال والعنف النفسي بوصفهما مكونين أساسيين للسلوك الجرمي المزعوم. ووصف الشهود تعرضهم للإهانة والتحقير والإجبار على أفعال تجردهم من إنسانيتهم، بما في ذلك إرغامهم على التصرف «كالحيوانات» من أجل تسلية الحراس. وذكر أحد الضحايا أن المتهم كان يستمد شعوراً ظاهراً بالرضا من معاناة المعتقلين، بينما صرح ضحية آخر بأن التعذيب كان يُمارس في كثير من الأحيان ليس بغرض الحصول على معلومات، بل من أجل الترفيه.

كما سلطت الجلسة الضوء على البُعد الجماعي للجرائم المزعومة؛ حيث وصف الضحايا كيف جُعل التعذيب مرئياً ومسموعاً للآخرين عن عمد، مما أدى إلى مضاعفة حدة الخوف والمعاناة النفسية بين المعتقلين. وقد جرى ربط هذا الجانب صراحةً باجتهادات قضائية أوسع (قضية فيرشر – Verscher case) التي تقرّ بأن التعرض لمعاناة الآخرين يمكن أن يشكل في حد ذاته نوعاً من أنواع التعذيب.

بالإضافة إلى الإساءة الجسدية، أشارت شهادات عدة إلى وقوع عنف جنسي وأضرار قائمة على النوع الاجتماعي، طالت بشكل خاص المعتقلات من الإناث. وشددت الإفادات على العواقب النفسية طويلة الأمد لمثل هذه الأفعال، بما في ذلك الصدمة (Trauma)، والوصمة الاجتماعية، والآثار المستمرة على الحياة الشخصية والعائلية.

وقد خُصص جزء كبير من الجلسة لبيانات أثر الجريمة على الضحايا.

أعرب (S) عن امتنانه للمحكمة الهولندية لإتاحة الفرصة للاستماع إليه، بينما طعن مباشرة في تصوير المتهم لوضعه الخاص. وبالإشارة إلى شكاوى المتهم بشأن ظروف احتجازه، قارن (S) بينها وبين تجربته الشخصية قائلاً: «لا بد أنه نسي ما فعله بي… كيف حُبست في زنزانة مساحتها 3 أمتار مربعة… لقد حُرمنا من النوم… وبقينا بلا طعام لأيام».

ورفض أي مقارنة بين الاحتجاز الحالي للمتهم والظروف التي قساها الضحايا، صرح قائلاً: «ليس له الحق في مقارنة نفسه بهذا الوضع».

وفي الوقت نفسه، شدد (S) على أنه بغض النظر عن نتيجة الإجراءات: «لن يغير أي حكم حياتي أو يعيد لي ما فقدته».

أوضح (M)، الذي لم يحضر في قاعة المحكمة نظراً للأثر النفسي للأحداث، أن احتمال مواجهة المتهم لا يزال يشكل عبئاً يفوق الاحتمال. ووصف الضحية كيف لا تزال تجربة الاحتجاز تصيغ تفاصيل حياته اليومية قائلاً: «كنت أخشى أن أتعرض للاعتقال مرة أخرى… هذا الشعور لا يزال يلازمني، حتى هنا في أوروبا»

أما (D)، الذي اختار عدم التحدث مباشرة أمام المحكمة رغم حضوره، فقد قرأ محاميه بيانه نيابة عنه. وقد صاغ شهادته ليس فقط كحكاية شخصية، بل كتمثيل لتجربة جماعية أوسع، قائلاً: «أنا لا أقف هنا من أجل نفسي فحسب… أنا صدى لأصوات أولئك الذين اختفوا، وتعرضوا للتعذيب والاغتصاب والقتل».”

“ووصف المتهم بأنه «أسوأ كابوس في حياتي»، وسلط الضوء على العواقب النفسية طويلة الأمد، بما في ذلك القلق واضطرابات النوم. كما شدد بيانه على الأهمية الرمزية للإجراءات القانونية بقوله: «القانون هو الملاذ الأخير للناس لاستعادة كرامتهم».

ركز (A) بشكل خاص على قضايا العدالة والتعويضات؛ حيث أخبر المحكمة برغبته في مشاركة «مشاعره العميقة حيال الظلم» الذي عانى منه، مؤكداً أن عواقب احتجازه لا تزال تؤثر على كل جانب من جوانب حياته، بما في ذلك صحته، واستقراره المالي، وسلامته النفسية.

وعلى الرغم من مثوله أمام المحكمة، صرح بأنه لا يشعر بأن حقوقه قد احترمت بالكامل، قائلاً: «لا أزال أشعر بإحساس عميق جداً بالحزن والظلم».

أوضح (A) أن استرجاع تجاربه طوال فترة الإجراءات القانونية تسبب في طفو ذكريات مؤلمة على السطح، بما في ذلك الخوف من الموت تحت الاحتجاز وعدم رؤية أطفاله مرة أخرى. كما استذكر المعاناة التي كابدتها عائلته أثناء فترة سجنه.

وكانت قضية التعويضات (جبر الضرر) تشكل شاغلاً محورياً في بيانه؛ حيث شكك في اشتراط إثبات الخسائر المادية في سياقٍ دُمرت فيه الأرواح والبيوت والكرامة بشكل ممنهج، متسائلاً: «عن أي حقوق نتحدث إذن؟».

وأضاف: «اليوم طلبتم مني دليلاً… كيف يمكنني أن أظن أنكم تصدقونني؟»

وشدد على أن الخسائر التي تكبدها كانت «هائلة من كافة الجوانب»، وأن إطار التعويض الحالي لا يعكس حقيقة الضرر الذي كابده. وبينما قدر خسائره بنحو 100,000 يورو، صرح بأن الحصول حتى على تعويض جزئي سيمثل نوعاً من أنواع الاعتراف بمعاناته.

واختتم كلامه بتأكيد شعوره بالظلم، واصفاً نفسه بأنه «لا يزال ضحية للظلم»، وفي الوقت ذاته أعرب عن أمله في أن تقوم المحكمة بتقييم قضيته بعناية وإصدار حكم ذي مغزى.

بدأ (J) حديثه بتوجيه الشكر للمحكمة على جهودها، موضحاً أنه يمثل أمامها «كشخص عاش أهوالاً مفزعة»، حاملاً «ندوباً عميقة» ظل يكابدها بصمت لسنوات. ووصف فترة احتجازه بأنها اتسمت بظروف لا إنسانية، وحالة من عدم اليقين بشأن مصيره، وخوف مستمر من احتمال عدم بقائه على قيد الحياة. وصاغ حضوره في المحكمة كفرصة لإيصال صوته والمساهمة في إظهار الحقيقة، قائلاً: «أنا لست هنا سعياً للانتقام.. أنا هنا بصفتي ضحية لكي أسلط الضوء على الحقيقة».

ودعا المحكمة إلى تقييم تجارب الضحايا «بأمانة وإنسانية»، كخطوة ضرورية نحو استعادة جزء مما فُقد. 

واختتم كلامه بوصف القضية بأنها أكثر من مجرد مسار قانوني، قائلاً: «هذه القضية ليست مجرد إجراء قانوني فحسب، بل هي خطوة نحو الاعتراف بما حدث»، وأضاف أنه يحاول الآن المضي قدماً وإعادة بناء حياته، معرباً عن أمله في تحقيق العدالة في نهاية المطاف.

قدم (H) رؤية أوسع حول دور قوات الدفاع الوطني والطبيعة الممنهجة للعنف؛ حيث وصف المليشيا بأنها تعمل دون قواعد أو مساءلة، مدفوعة بالقوة والدوافع المادية، كما وصف العنف بأنه كان «طقساً سادياً… فقد كانوا يستمدون المتعة من معاناة الآخرين».

وفي استذكاره لتجربته الشخصية، صرح قائلاً: «ما زلت أشعر بفوهة بندقيته في فمي… كان يقول لي: هل تريد شم رائحة البارود؟ لقد عذبني بكل ما وقع تحت يديه؛ كان يحول الأشياء المحيطة بنا إلى أدوات للتعذيب».

“لقد كان فوق القانون، وكان يعتقد أنه سيبقى فوق القانون هنا أيضاً. إن حقيقة وجوده الآن خلف القضبان لن تمحو ما حدث، لكنها ستساعد في منع ما قد يحدث في المستقبل… إنه لا يزال يشكل خطراً، ليس فقط لأنه كان جزءاً من النظام، بل لأنه اختار بملء إرادته أن يكون أداة للتعذيب، وشخصاً يستمد المتعة من إلحاق الألم. إنه يمثل خطراً على المستقبل.”

“عبر التاريخ، لم يُمنح إلا القليل جداً من الناس الفرصة للوقوف في محكمة وجهاً لوجه مع الجاني. إنني ممتن لكل من عمل على جعل هذا ممكناً. هذا اليوم ليس لي وحدي، بل هو من أجل آلاف الأرواح التي أزهقها المتهم وشركاؤه.”

بدأ (F) إفادته قائلاً: «أنا الآن أجلس في المحكمة أمام وحشٍ كهذا؛ في آخر مرة رأيته فيها، ظننتُ أنها المرة الأخيرة التي سأكون فيها على قيد الحياة». ووصف كيف غيّرت هذه التجربة جوهر شعوره بذاته قائلاً: «لقد كان يقتل الأمل بداخلي… طفولتي… والحب».

كما سعى للتحدث نيابة عن الآخرين الذين احتُجزوا معه، بمن فيهم الأطفال، بقوله: «أريد أن أكون صوتاً لأولئك الذين لم يعودوا هنا».

صرحت (R) بأنها تود التحدث نيابة عن جميع النساء اللواتي تعرضن للعنف الجنسي، مؤكدة على أنه «لا ينبغي لهن الصمت». واعتذرت عن مغادرتها قاعة المحكمة في اليوم السابق، موضحة أنها لم تطق استماعها للمتهم وهو يتحدث عن صدمته الخاصة، في حين أنه -كما صاغت الأمر- «هو من تسبب لي بهذه الصدمة».

وصفت (R) الأثر النفسي طويل الأمد لما مرت به، بما في ذلك المحفزات المتكررة والذكريات التي لا تزال تؤثر على حياتها اليومية. وفي الوقت ذاته، أشارت إلى سلوك المتهم في المحكمة، قائلة إن الطريقة التي يتحدث بها، وخاصة تجاه القاضيات والمدعية العامة، تنم عن ازدراء شديد ومن الصعب قبولها.

ورفضاً منها للسردية المفروضة عليها، صرحت قائلة: «أنا لست مصدراً للعار لعائلتي، كما كان يحاول هو أن يصور».

وشددت على أن الضرر الذي لحق بها لا يمكن مقارنته بفترة احتجاز المتهم، مشيرة إلى أن معاناتها الشخصية استمرت لأكثر من ثلاثة عشر عاماً، وما زالت تصيغ ملامح حياتها.

وفي حديثها المباشر، أثارت (R) أيضاً مخاوف بشأن الكيفية التي يتم مخاطبتها بها أثناء الإجراءات، قائلة: «هل يمكنني الحصول على العدالة كمرأة؟ ولماذا، أثناء الجلسة، يتوجب عليكم مخاطبتي بهذه الطريقة؟».

وأوضحت أن أسلوب الخطاب هذا يؤثر عليها بعمق، بما في ذلك شعورها بكرامتها ومستقبلها، على الصعيدين الشخصي والمهني؛ ولهذا السبب، أصرت على الحديث بصوتها الخاص.

واختتمت حديثها بالقول إنه رغم أنها لم تتوقع أبداً أن تحظى بفرصة السعي لتحقيق العدالة خارج سوريا، فإن تمثيلها أمام المحكمة الآن يمثل خطوة هامة في استعادة حقوقها وكرامتها، حتى وإن كان بعض ما فقدته لا يمكن استرداده.

قالت (O) إنها تتحدث بالأصالة عن نفسها، لكنها شعرت أيضاً بالحاجة إلى إضافة زاوية مختلفة بعد استماعها للإفادات السابقة. وشددت على أنه رغم كل ما قيل عن الضحايا، فمن الضروري توضيح أنهم لا يريدون أن يُنظر إليهم بصفتهم ضحايا فحسب، قائلة: «نحن لسنا مجرد ضحايا… نحن جزء من مجموعة من أبناء الثورة».

ووصفَت تجربتها مع النزوح بعد مغادرتها سوريا في عام 2013، موضحة أنها فقدت منزلها وانفصلت عن أطفالها، وقضت فترات من الزمن بلا مأوى في دول مختلفة. وقالت إن صدمة الاعتقال والمنفى لاحقتها لسنوات، وأنها كافحت طويلاً للتأقلم معها.

وأوضحت أن ما ساعدها هو الاستمرار في العمل، ودعم الآخرين في لبنان، والمساهمة في توثيق الانتهاكات، قائلة: «واصلتُ النضال… وساعدتُ الآخرين».

وفي الوقت ذاته، وصفت الخوف الذي ظل يلازمها حتى خارج سوريا، مشيرة إلى أنها رفضت في البداية الكشف عن اسمها علناً خوفاً من النظام وشبكاته.

واصلت (O) حديثها بالإشارة إلى الروايات المفصلة عن العنف الجنسي التي استمعت إليها المحكمة خلال الأيام السابقة؛ حيث لاحظت رد فعل المتهم أثناء الاستماع قائلاً: «لقد ظل بارداً… لم يظهر أي إنسانية». وشددت على أن هذا النوع من العنف له عواقب دائمة وعميقة، مضيفة أن الأشخاص الذين يتعرضون له لا يعود بإمكانهم الشعور بأجسادهم كملك خاص لهم. وفي هذا السياق، شككت في الطريقة التي يتم بها تناول هذه التفاصيل في المحكمة، قائلة: «بالنسبة للضحايا، هذه التفاصيل مؤلمة… ولا أعتقد أنها مفيدة».

ورغم كل شيء، أوضحت أن موقفها لا ينبع من الكراهية، مؤكدة أنها لا تسعى للانتقام، وأعربت عن أملها في أن تظل المسؤولية فردية: «المتهم هو الوحيد الذي يجب أن يدفع ثمن جرائمه».

واختتمت حديثها بالتعبير عن أمل أوسع للمستقبل؛ وهو أن يتمكن الناس يوماً ما من العيش مجدداً مع عائلاتهم في بلدهم.

طوال الجلسة، ظل موقف الإنكار الذي تبناه المتهم نقطة توتر مستمرة؛ حيث أعرب الضحايا عن ضيقهم جراء سماع أقواله، لاسيما في المواضع التي قدم فيها نفسه بطريقة رأوا أنها تتعارض مع تجاربهم الواقعية. كما أشار بعضهم إلى ما اعتبروه محاولات لترهيبهم أو التشكيك في مصداقية شهاداتهم.

عقب ذلك، انتقلت المحكمة للنظر في المطالبات المدنية بالتعويض التي قدمها محامي الضحايا نيابة عن تسعة من الأطراف المتضررة.

بالنسبة لكل من (D) و(M) و(F) و(O) و(S) و(R)، طالب المحامي بمبلغ 35,000 يورو لكل منهم كتعويضات عن الأضرار المعنوية، على أساس أنهم ضحايا تعذيب وعنف جنسي، صُنفت كجرائم ضد الإنسانية.

أما بالنسبة لـ (A) و(H) و(J)، فقد بلغت قيمة الطلبات 30,000 يورو لكل منهم كتعويضات عن الأضرار المعنوية، بما يعكس وضعهم كضحايا تعذيب صُنفت كجريمة ضد الإنسانية.

من جانبه، دفع فريق الدفاع بعدم قبول هذه الطلبات، مثيراً عدة اعتراضات، من بينها: غياب إطار قانوني واضح وسهل الوصول إليه في القانون السوري يحكم تقييم ومنح التعويضات؛ وأن الطلبات قد تقادمت؛ بالإضافة إلى الزعم بأن تقرير الخبراء المتعلق بالحصانة لم يكن متاحاً أو مقروءاً بشكل صحيح.

أشارت المحكمة إلى أن مقبولية وموضوع مطالبات التعويض هذه سيخضعان لمزيد من الفحص والمناقشة في مرحلة لاحقة من الإجراءات، وذلك في سياق المرافعات الختامية لكل من الدفاع وممثلي الضحايا.

ومن المتوقع أن تستمر الإجراءات بتقديم المرافعات من قبل الادعاء والدفاع في أيام 21 و22 و23 من شهر نيسان/ أبريل 2026.

30/04/2026
المركز السوري للإعلام وحرية التعبير Syrian Center for Media and Freedom of Expression
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.