ناجون من التعذيب يقاضون النظام السوري

تحرير: أتيكا شوبرت و إليزا ماكنتوش، سي أن أن

 

استمع المدعي العام الاتحادي الألماني يوم الخميس إلى الشهود في قضية بارزة قدمها المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان في برلين، والتي تتهم ستة مسؤولين سوريين مقربين من الرئيس بشار الأسد بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

قُدمت الشكوى من قبل عدد من المعتقلين السوريين السابقين، بمن فيهم محاميان سوريان، ممن قالا إنهما  تعرضا للتعذيب في زنزانات النظام. وعلى الرغم من اتخاذ إجراءات قانونية مماثلة في أماكن أخرى في أوروبا، فإن هذه القضية فريدة من نوعها لأنها بدأت بموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية، مما يسمح للمدعي العام والمحاكم بمتابعة الجرائم الدولية حتى لو لم تكن الحالات على صلة مباشرة بألمانيا.

وفي شباط / فبراير من هذا العام، نفى الأسد مزاعم التعذيب في السجون السورية، قائلا في مقابلة أن هذه المزاعم “لم تحمل أي دليل”.

تكشف الشهادات تفاصيل الضرب المبرح، والعنف الجنسي، والتعذيب المنتظم في ثلاثة سجون في دمشق – الفرع 215 و227 و235- بين تشرين الأول / أكتوبر 2011 وتموز/ يوليو 2015.

قبل جلسة الاستماع، أجرت شبكة سي إن إن مقابلة مع اثنين من الشهود، الناشط السوري خالد رواس، والمحامي مازن درويش.


 

مازن درويش

محامي وصحفي سوري في مجال حقوق الإنسان يبلغ من العمر 43 عاما.

قضى مازن درويش، أكثر من ثلاث سنوات في السجن بسبب عمله في المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، والذي تأسس في عام 2004، والذي كان يتخذ من دمشق مقرا له.

خلال عمله كرئيس للمركز السوري للإعلام وحرية التعبير، لاحق درويش عنف الحكومة ضد المتظاهرين، وعمل على توثيق عمليات الاعتقال والاختفاء القسري وقتل الناشطين.

في شباط / فبراير 2012، ألقي القبض على درويش مع زوجته وأعضاء آخرين في المركز، واتهموا "بالترويج للأعمال الإرهابية".

وقال درويش في مقابلة مع شبكة "سي إن إن،  بأن أساليب التعذيب المستخدمة أثناء احتجازه كانت: الصدمات الكهربائية، التعليق من السقف، والضرب والحرمان من النوم.

"كانت ظروفاً غير إنسانية. كانوا يستخدمون العصي الكهربائية، الماء المغلي، وجميع أنواع الأدوات التي يمكن أن تتخيلها. بعد شهرين، نقلوني إلى فرع المخابرات الجوية" أضاف درويش: "هناك جلسات التعذيب كانت يومية".

وحول أهمية القضية، قال درويش: "نحن بحاجة إلى إرسال رسالة مفادها أن الإفلات من العقاب غير مقبول بعد الآن. وأولئك الذين ارتكبوا الجرائم الحرب هذه، لن يستمروا في حياتهم بشكل عادي".

أنور البني

"كانت معجزة أنني نجوت" هذا ما قاله المحامي البارز في مجال حقوق الإنسان أنور البني (58  عاما)  للمركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان. والذي كان سجينا سياسيا في سوريا لأكثر من خمس سنوات.

البني، وهو عضو مؤسس في الجمعية السورية لحقوق الإنسان والمركز السوري للبحوث والدراسات القانونية، قال أنه تم استهدفه من قبل نظام الأسد بعد أن مثل المنظمات والأفراد المضطهدين بسبب آرائهم السياسية خلال احتجاجات 2000-2001 في دمشق.

وفي أيار/ مايو 2006، ألقي القبض على البني وعدد من الناشطين في مجال حقوق الإنسان بعد توقيعهم على إعلان بيروت - دمشق، الذي دعا إلى تطبيع العلاقات اللبنانية السورية.

يقول البني إنه تعرض للتعذيب عدة مرات أثناء الاحتجاز حيث قضى سنة كاملة في سجن عدرا سيء السمعة  بالقرب من دمشق قبل أن يحكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات بتهمة "نشر معلومات مضللة وكاذبة" في نيسان / أبريل 2007.

وقال البني للمركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، أنه وخلال فترة سجنه تم إبعاده عن باقي السجناء السياسيين، وإن سجناء مؤيدين للأسد حاولوا في أحد المرات إلقائه من شرفة في الطابق الثالث.

أطلق سراح البني في أيار/ مايو 2011، لينتقل للعيش اليوم في برلين، حيث لقيت جهوده في الدفاع عن حقوق الإنسان والكرامة والحرية، الاعتراف والتقدير من قبل رابطة القضاة الألمانية.

منعم هيلانه

تم القبض على منعم هيلانه (57 عاما) على الحدود السورية اللبنانية في نيسان / أبريل 2015، تهمته كانت؛ استضافة نازحين، توزيع مساعدات الأمم المتحدة، ونشر مقالة صحفية تنتقد الأسد.

تم نقله إلى الفرع 235 في دمشق، والذي يعرف باسم "فرع الموت" بحسب هيلانه.

"عندما وصلنا إلى دمشق، تم نقلي إلى القبو الأول. هناك، تم أخذ جميع ممتلكاتي الشخصية. ثم تم انزالي إلى مستوى قبو آخر، حيث اضطررت إلى خلع جميع ملابسي – بقيت في ذلك القبو حتى يوم الإفراج عني"،

وقال هيلانه في شهادته التي قدمها إلى المحكمة. "كان عليّ أن أقف أنا وباقي السجناء في رتل، وأن ندير أوجهنا إلى الحائط. لقد فقدت إحساسي بالوقت هناك، لكن أظن أن المدة كانت حوالي 24 ساعة تقريبا. في كل مرة كنت أحاول الاستناد على الحائط، كان أحد الحراس يصفعني على الفور. في مرحلة ما فقدت الوعي. "

"كانت الزنزانة أربعة بثمانية أمتار. كان الظلام فيها دامساً، لا يمكن للمرء أن يرى أي شيء. كنا 91 رجلا داخل تلك الزنزانة".

لم يكن هناك شيء للشرب أو للأكل، وكان العديد من السجناء مصابين بأمراض خطيرة. "كان العديد منهم يعانون من أمراض جلدية والتهابات، لم يكن لديهم أي طاقة حتى لتخويف الفئران التي كانت تتكاثر في الزنزانة، وتقتات على السجناء. كان هناك أشخاص يموتون حولي. وكانت جثثهم تبقى ممددة لأكثر من ثلاثة ايام في زنزانتنا، حتى يتم إخراجها لاحقا من قبل الحراس".

منذ اليوم الرابع من سجنه، قال هيلانه إنه تعرض للتعذيب بالصدمات الكهربائية بشكل يومي حتى فقد وعيه. وبعد ثلاثة عشر يوما، أطلق سراحه فجأة. "كنت ضعيفا لدرجة أن اثنين من الحراس اضطروا إلى إخراجي من الزنزانة. ثم أعطوني كأسا من الماء المحلى، وألقوا بي خارج السجن".

خالد رواس

اعتقل خالد رواس للمرة الأولى بدمشق في آب/ أغسطس 2011. واحتجز لمدة أسبوعين، بتهمة حمل سلاح في مظاهرة وتمرير صور إلى قناة الجزيرة.

 

وفي كانون الأول/ ديسمبر 2011، تم اعتقاله مرة أخرى لمشاركته في مظاهرة في دمشق. هناك تعرض للتعذيب الشديد – يقول خالد لشبكة سي إن إن- بما في ذلك العنف الجنسي. ويجد أنه من الصعب الحديث عما حدث داخل السجن.

"بعد وصولنا إلى السجن، أجبرت أنا و20 سجينا آخر على الذهاب إلى الطابق السادس، حيث كنا نتلقى الضربات من الحراس الذين كانوا واقفين على طول الدرج. الضرب كان عشوائيا، بعض الحراس كانوا يستخدمون العصي الخشبية، والبعض الآخر يستخدم الحزام ورأسه المعدنية، أو أنابيب البلاستيك. بعض الحراس قاموا بضربنا بالصاعق الكهربائي، حينها سقطت نظارتي وتهشمت تحت خطوات المساجين خلفي"، يقول رواس في شهادته التي قدمها إلى المحكمة.

"كنا معصوبي الأعين، كنا نتلقى الضربات من قبل الحراس بجميع أنواع الأدوات على ظهورنا. وبعد حوالي ساعتين، تم إرسالنا إلى زنزانة. كان علينا خلع جميع ملابسنا، ليتم تفتيشنا ونحن عراة بشكل كامل".

وقال رواس أنه خلال الأيام الستة التي احتجز فيها في الفرع 215، تشارك زنزانته التي يبلغ حجمها أربعة أمتار بمترين مع ما يقرب 30 سجينا اخر، بحسب شهادته.

وفى حديثه مع سي ان ان، ذكر رواس لحظة مروعة داخل تلك الزنزانة المزدحمة: "فقط تخيل نفسك، أنك تجلس فى زنزانة، وأحد اصدقائك يريح رأسه على كتفك، لتكتشف لاحقا عندما فجأة ينادي الحراس باسمه، أنه قد مات"  

عبير فرهود

عبير فرهود، زوجة خالد رواس، ناشطة سياسياً منذ بداية الثورة في سوريا، تشارك في المظاهرات وتستضيف نازحين في منزلها. في كانون الأول/ ديسمبر 2011، ألقي القبض عليها خلال مشاركتها في اجتماع لناشطين في دمشق، لتقتادها قوى الأمن السورية إلى الفرع 215، حيث قالت فرهود أن حارس السجن أجبرها على خلع ملابسها وتلمسها في أماكن حميمة.

وقالت فرهود في شهادتها أمام المحكمة "بعد هذا البحث المهين لكامل الجسم، تم أخذي إلى زنزانة كانت بحجم 3.5x 6.5 متر. حيث تم وضع عشرين امرأة بشكل مؤقت في هذه الزنزانة، بينهم فتاة كانت تبلغ من العمر 14 عاما، كانت برفقة والدتها، وشابتين تبلغان من العمر 17 عاماً"

تقول فرهود إنها بقيت في هذه الزنزانة لمدة 33 يوما.

أثناء جلسات الاستجواب، تعرضت فرهود للإهانة بشكل متكرر حيث وصفها المحقق بالـ "عاهرة"، كما أشار لصديقها المعارض بانه "قوادها". اتهمت فرهود بـ "جهاد النكاح" كما كان الضباط يهددونها بالتحقق من عذريتها، وبتعليقها عارية في قاعة مليئة بالرجال.

قالت فرهود إنها تعرضت للصفع على وجهها مرة واحدة فقط (أثناء استجوابها الأخير) ولم تتعرض أبدا للتعذيب بالصدمات الكهربائية أو غيرها من الأدوات التي كانت شائعة الاستخدام في الفرع 215. ولم تتمكن لفترة طويلة من تفسير سبب معاملتها بشكل أقل قسوة من السجناء الآخرين.

قالت فرهود في شهادتها: "بعد فترة من الوقت علمت السبب: الضابط الذي كان يستجوبني طوال تلك الفترة، طلب مني الزواج".

الشاهدة 5 (مجهول)

تم اعتقال الشاهدة 5 والتي تبلغ من العمر 29 عاما، في تموز/ يوليو 2014 عند نقطة تفتيش في دمشق، وذلك لمشاركتها في التظاهرات السلمية ضد النظام. وقالت في شهادتها أنها احتجزت في زنزانة منفردة في الفرع 227 لمدة شهر كامل.

وأضافت "الاستجوابات جرت في الممر. خلال الأيام العشرة الأولى، تم سحبي مراراً من الزنزانة وأجبرت على الوقوف على ساق واحدة في الممر لمدة نصف ساعة. وفي هذه الأثناء، كنت أسمع أصوات سجناء آخرين يتعرضون للتعذيب، إنها من الممارسات الشائعة في -التعذيب النفسي- كنت أسمع أصواتهم حتى من داخل زنزانتي" تقول الشاهدة 5 في شهادتها المقدمة إلى المحكمة.

في يومها الثالث عشر من الاحتجاز، قالت الشاهدة 5 إنها تعرضت للضرب بشكل متكرر بواسطة أنبوب بلاستيكي صلب خلال استجواب استمر حوالي 10 ساعات.

خلال إحدى زيارات الحمام القليلة المسموح بها في اليوم، رأت الشاهدة 5 رجل يصارع الموت في البهو. "كان هناك رجل ممدد على الارض، ألقيت عليه بطانية مغطاة بالدماء. كان وجهه أصفر. كان يمكن للمرء أن يرى عظامه بوضوح ".

بعد ذلك، عاقب أحد الحارس الشاهدة 5 لطلبها منه تقديم بعض الماء للرجل الملقى على الأرض، فمنعها من استخدام الحمام لمدة يومين. وأضافت الشاهدة 5 في شهادتها "جلبوا ذلك الرجل إلى زنزانتي، وأجبروني على مشاهدته وهم يضربونه".

وفي مناسبة أخرى، قالت الشاهدة 5 إن رئيس السجن جرها إلى زنزانة كبيرة مخصصة للذكور فقط. "كان هناك مئات من الناس يجلسون على الأرض في ضوء ساطع. كانوا حليقي الرأس، أجسادهم نحيلة، ووجوههم صفراء".

 

الشاهد 8 (مجهول)

تم اعتقال الشاهد 8 لمدة 10 أيام في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، بعد لقاءه في مسقط رأسه في جنوب غرب سوريا مع ناشطين آخرين في شقة أحد الأصدقاء، حيث كانوا يطبعون منشورات تنتقد نظام الأسد.

وفي حزيران / يونيو 2013، ألقي القبض عليه مرة أخرى على الحدود اللبنانية – حيث كان اسمه مدرجا في قائمة الأشخاص المطلوبين من قبل الفرع 235 التابع لجهاز المخابرات العسكرية في دمشق.

يقول الشاهد 8 في شهادته المقدمة إلى المحكمة "كانت الزنزانة تقع في الطابق السفلي من الفرع 235 وكان حجمها سبعة أمتار بأربعة أمتار تقريبا. في البداية كنا 86 سجينا، في وقت لاحق أصبحنا 112.

في النهار، كان السجناء يقفون بجانب بعض بشكل متراص. في الليل كنا ننام فوق بعضنا البعض. كان هناك دائما شخص يعاني من كدمات أو إصابات في جسمه. وبالنظر إلى التلاصق الجسدي المستمر بين السجناء والافتقار إلى الهواء والضوء، تنتشر الأمراض الجلدية بسرعة ".

وقال الشاهد 8 إنه كان معصوب العينين وتعرض للتعذيب أثناء استجوابه عما كان يقوم به كناشط. "ركلني الحارس وضربني بشدة، وأحيانا كان يستخدم أنبوب من البلاستيك لضربي. كما ودفع رأسي وضربه بالحائط"

وقال إنه أجبر على الكشف عن أسماء النشطاء الآخرين، لمطابقتهم مع الأرقام التي كانت على هاتفه، كما وأجبر على التوقيع على أوراق مختلفة دون قراءتها مسبقا.


جميع الصور: من CNN

تُرجم الموضوع عن الأصل المنشور على الرابط التالي: http://edition.cnn.com/interactive/2017/07/world/syria-torture-survivors/?sr=sharebar_twitter

Print Friendly