تحليل: الطريق المسدود في قضية المختفين في سوريا

ما يزال عشرات الآلاف من الناس قيد الاعتقال أو “الاختفاء” في سوريا، ما سبب الدمار لعائلات لا حصر لها. ‏ومع ذلك فقد ذكر حقوقيون أن هذه القضية قد تم تجاهلها في مفاوضات السلام الهادفة إلى وضع نهاية للنزاع في سوريا.

بقلم: نيكولا كوتشر Nicola Cutcher

 

Dcimage 26

 

‏بعد تعذيبه في أحد مراكز الاعتقال في سوريا، تُرك الصحفي والناشط في مجال حقوق الإنسان مازن درويش ليموت.

وقال: “‏عندما فتحت عينيَّ وجدت نفسي ملقىً بين جثث الموتى. ‏حاولت أن أتحرك فلاحظ أحد الحراس أنني ما زلت على قيد الحياة فقام بسحبي إلى الزنزانة. ‏لو كان حارساً آخر لربما تركني في مكاني إلى أن اموت. وجودي هنا اليوم مجرد صدفة.”

‏أسس درويش المركز السوري للإعلام وحرية التعبير عام 2004 وكان يعمل بشكل علني في دمشق برغم ‏مما ‏يصفه مرصد حقوق الإنسان بـ “قمع الدولة السورية لنشاطات حقوق الإنسان”. ‏وفي شباط من عام 2012، ‏قامت قوات الأمن السورية باعتقال درويش مع زملائه في المكتب. ومن ثم تم إطلاق سراحه في آب عام 2015، ولكن بعض ‏أصدقائه وزملائه المقربين ماتوا في المعتقل وما يزال بعضهم الآخر “مغيباً”.

‏هناك عشرات الآلاف من المفقودين حالياً في سوريا، تم اعتقال معظمهم من قبل قوات أمن النظام أو أفرع المخابرات، والبعض الآخر تم اعتقالهم من قِبل ‏المجموعات المسلحة. ‏تؤثر هذه المشكلة على مئات الآلاف من الأشخاص بشكل مباشر أو غير مباشر. فمعظم العوائل لديها شخص مفقود ولكن ‏العدد الكلي لحالات الاختفاء ما يزال غير معروف. ‏وقد تجاهلت حكومة الرئيس السوري بشار الأسد طلبات لتقديم معلومات حول المعتقلين والكثير من العائلات لا تقوم بالإبلاغ عن أفرادها المفقودين خوفاً من العواقب.

‏يصف الناجون، ومن بينهم درويش، ‏الزنزانات المزدحمة والتجويع والتجاهل الطبي والتعذيب وإعدام السجناء. ‏وتعاني عائلات وأصدقاء المختطفين من عدم معرفة مصير ذويهم أو أين يتم احتجازهم أو ما إذا ‏كانوا أحياءً أو أموات. وقد نشرت الأمم المتحدة تقريراً، العام الماضي، تتهم فيه الحكومة السورية ‏بقتل واغتصاب وتعذيب وإبادة المعتقلين.

‏ولكن يستمر تجاهل المشكلة في محادثات السلام المتعلقة بسوريا، ‏وقد وجهت منظمة درويش وبعض مجموعات المجتمع المدني الأخرى مؤخراً رسالة إلى المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ‏للاحتجاج على “إهمال وتقصير المجتمع الدولي” حيال المعتقلين والمختفين في سوريا.

 

 

‏في العام الماضي قام المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دي مستورا بتعيين إيفا سفوبودا لمعالجة قضية المعتقلين والمختطفين وقام بضمها إلى فريق ‏العمل الإنساني التابع للمجموع الدولية لدعم سوريا. ولكن لم يتم التعريف إعلامياً بإيفا ولم يتم إلقاء أي بيانات رسمية ‏متعلقة بهذا الموضوع وقد تخلت عن منصبها دون الإعلان عن ذلك ورفضت أن تدلي بأي تعليق.

‏يقول درويش: “إن الأمم المتحدة والدول الأعضاء يعلمون تماماً ما يحصل ولديهم الأدلة، ‏ولكنّهم لا يفعلون أي شيء. ‏وهذا يعني أنهم يعرفون كل شيء ويسمحون بحصوله، ‏ومن خلال تجاهل المشكلة، هم يُفسحون المجال لها لتستمر”

‏”لا أستطيع ‏التوقف عن التفكير بأولئك الذين ما يزالون على قيد الحياة أو الذين يموتون كل يوم. إن أقل ما نحتاجه هو ضمان أن يتوقف قتل المعتقلين، هذا أهم شيء ‏وهو أول ما أشرت له عندما تم إطلاق سراحي، ‏فلو أننا فعلنا شيئاً ما في ذلك الوقت، لربما كان باسل خرطبيل ما يزال معنا”، في إشارة منه إلى المبرمج ورائد تقنيات الإنترنت المفتوحة المعروف باسل خرطبيل الذي ‏اعتقلته القوات الحكومية عام 2012 وذكرت عائلته في آب 2017 أنها تلقت تأكيداً بأنه تم إعدامه ‏في تشرين الأول من عام 2015.

 

 

‏وكانت ‏منظمة العفو الدولية قد نشرت تقريراً هذا العام ذكرت فيه أن السلطات السورية أعدمت ما بين 5000 الى 13,000 معتقل في سجن صيدنايا العسكري خلال السنوات الخمس من الصراع. ‏وقالت نيكولت بوهلند الباحثة في منظمة العفو الدولية مؤخراً في حديثها لموقع سيريا ديبلي: “ليست لدينا أي أسباب تجعلنا نعتقد أن هذه ‏الإعدامات الجماعية قد توقفت”.

من جانبها أنكرت الحكومة السورية هذه الاتهامات ولكنها ما تزال ترفض طلبات من الأمم المتحدة ومجموعات حقوق الإنسان لإرسال مراقبين مستقلين لتفتيش مراكز الاعتقال. وقد أكدت الهيئة الدولية للصليب الأحمر أنها تقوم بزيارات لبعض السجون ولكنها لا تصل إلى المنشآت التي تديرها أفرع الأمن والمخابرات. ووجه الناشطون نداءً لجميع الأطراف للكشف عن أسماء المعتقلين، وأماكن ومصير المختفين، كما دعا قرار الأمم المتحدة رقم ٢٢٥٤ لإطلاق سراح المحتجزين تعسفياً في سوريا.

‏وحسب قول أليس مفرّج، ‏مسؤولة ملف المعتقلين في الهيئة العليا للمفاوضات ‏لقوى الثورة والمعارضة السورية، فإن “مصير المعتقلين تحفّه خطورة استخدامه في المفاوضات السياسية. ويجب ألا يحتاج إطلاق سراح المعتقلين للتفاوض ولكن قامت كل من روسيا والنظام بربط ملف المعتقلين بالعملية السياسية، ما يعني استخدامه كورقة مساومة لتحقيق مكاسب سياسية”.

يرى مراقبون أن عدم اتخاذ الأمم المتحدة لأي خطوات أوجد فراغاً مكّن محادثات أستانا التي تقودها روسيا من وضع القضية في إطار تبادل الأسرى بين أطراف النزاع. ولكن يقول ناشطون مثل مفرّج أن “التبادلات” ليست الحل لأنها “تدعم رواية النظام بأن كل أعدائه إرهابيين” وهذا ينطوي على أن جميع المعتقلين هم جزء ‏من الصراع ولكن الأمر ليس كذلك لأن العديد منهم مجرد ‏مدنيون ونشطاء سياسيين.

‏وكانت مجموعة عائلات من أجل الحرية وهي مجموعة من النساء اللواتي تم اعتقال ذويهن بشكل تعسفي، ‏قد ذكرن هذه العبارة في رسالة مفتوحة إلى الوفود المشاركة في مفاوضات آستانا. وكتبن “‏إننا لا نقبل تبادل الأسرى الذي يتم تنسيقه بين الأطراف العسكرية كبديل للحل الحقيقي لرعب الاعتقالات الجماعية في سوريا. ‏إن أولئك الذين لم يسبق لهم أن حملوا سلاحاً هم تحديداً الذين سيعانون”. ‏وحثت المجموعةُ الأممَ المتحدة على التعامل مع قضية المعتقلين من خلال عملية جنيف.

 

 

‏ولكن يبدو أن دي مستورا قد وضع هذه المشكلة على أدنى قائمة أولوياته وحتى الآن لم يحقق أي تقدم يُعتبر للمعتقلين وعائلاتهم حتى أن هذه القضية لم تكن على جدول أعمال مباحثات جنيف. ‏وقد ‏دعا مرصد حقوق الإنسان في آب دي مستورا لأن “يقف بشكل علنيٍ على أسباب عدم تحقيق أي تقدم في قضية المفقودين في سوريا ‏وأن يعزّز جهوده لمعالجة هذه المشكلة المدمرة”.

من جهتها قالت مفرّج: ‏”إن قوة الأمم المتحدة مستمدة من قوة الدول الأعضاء فيها ولكنها أصبحت عاجزة تماماً وغير قادرة على ممارسة أي ضغوط. ففي مجلس الأمن ‏التابع للأمم المتحدة مثلاً تتمتع الدول الخمس دائمة العضوية بحق النقض الفيتو وهو أمر استخدمته روسيا عدة مرات لمنع استصدار قرار حول سوريا“.

‏وقد أكد فضل عبد الغني مؤسس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان على الحاجة لأن تقود دولة واحدة ملف المعتقلين وتتبني الدفاع عنهم وتقول للسوريين أننا نتعامل مع هذه المشكلة.

‏من ناحية أخرى، بات ‏الناشطون في مجال حقوق الإنسان كدرويش يشعرون بخيبة أمل بسبب عدم حصول هذه القضية على اهتمام ‏دولي أوسع.

يقول درويش: “لقد أصبحنا في زمن تحاول فيه مؤسسات مثل الأمم المتحدة أن ‏تشعرني بالذنب بسبب ‏طرحي لهذه القضية…ولكن هذا سيعرّض المفاوضات للخطر. أعتقد انه لا يمكن تحقيق سلام دائم دون معالجة هذه المشكلة ‏وإذا لم تقم منظمات مثل منظمة العفو الدولية ومرصد حقوق الإنسان بحملات لمعالجة هذه المشكلة ولا الكفاح من أجل حقوق الإنسان ‏فإنني أشعر وكأنني مت في السجن”.

 

ترجمة المركز السوري للإعلام وحرية التعبير عن مقال: Analysis: The Political Impasse Over Syria’s Disappeared

 

Print Friendly