سوريا/روسيا: المدنيون يُقتلون بالغارات الجوية والحصار

يجب السماح بالمعونة العاجلة في الغوطة الشرقية المحاصرة وإنهاء الهجمات العشوائية

أطفال يقفون بين ركام الأبنية المدمرة في الغوطة الشرقية، سوريا. © خاص

(بيروت) – قالت “هيومن رايتس ووتش” اليوم إن القوات الحكومية السورية والقوات الروسيةصعدت غاراتها الجوية على الغوطة الشرقية، وهي ضاحية على بعد حوالي 15 كيلومتر من وسط العاصمة السورية دمشق، ما أسفر عن مقتل عشرات المدنيين في هجمات يبدو أنها غير قانونية. شددت القوات السورية قبضتها على الجيب الذي تسيطر عليه جماعات مسلحة مناهضة للحكومة وتقيد بشدة وصول المساعدات الإنسانية إليه في انتهاك لقوانين الحرب، وتمنع المدنيين من مغادرة المنطقة.

جدد مجلس الأمن الدولي في 19 ديسمبر/كانون الأول 2017 تفويضه لتقديم المساعدات الإنسانية عبر الحدود إلى ملايين المدنيين السوريين اليائسين. على المجلس أن يطالب الحكومة السورية فورا بإنهاء القيود غير القانونية على المساعدات إلى الغوطة الشرقية أو فرض عقوبات مستهدِفة ضد المسؤولين.

قالت لما فقيه، نائبة مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: “يتفرج العالم بصمت على تشديد روسيا وسوريا الخناق على الغوطة الشرقية، التي تعاني تحت وطأة الضربات غير المشروعة والأسلحة التي تخضع لحظر واسع، بالإضافة إلى الحصار المدمر. على مجلس الأمن أن يطالب سوريا فورا بإنهاء تكتيكاتها التي تجوع السكان، وتمنع المدنيين من المغادرة أو تلقي المساعدات الإنسانية”.

تحدثت هيومن رايتس ووتش في نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول عن بعد مع 12 من السكان المحليين، العاملين في المجال الإنساني، والأطباء في الغوطة الشرقية حول الضربات الجوية للتحالف والقيود المفروضة على المعونة الإنسانية.

تحاصر القوات الحكومية السورية الغوطة الشرقية التي يبلغ عدد سكانها حوالي 400 ألف نسمة منذ العام 2013. في أكتوبر/تشرين الأول 2017، قيدت الحكومة استخدام معبر الوافدين، وهو المدخل الوحيد للبضائع التجارية، ما استنزف المواد الغذائية والإمدادات الطبية النادرة، وأدى إلى ارتفاع الأسعار.

منذ 14 نوفمبر/تشرين الثاني إلى 30 نوفمبر/تشرين الثاني، نفذت العملية العسكرية الروسية-السورية المشتركة أكثر من 400 غارة جوية على الغوطة الشرقية، وفقا “للدفاع المدني السوري”، وهو مجموعة متطوعة تعمل في المناطق المناهضة للحكومة، و”المرصد السوري لحقوق الإنسان“. قال مراقبو وسائل الإعلام المحلية إن التحالف الروسي-السوري ضرب أكثر من نصف البلدات في الجيب المحاصر مرة واحدة على الأقل خلال هذه الفترة. كانت المنازل، مدرسة مؤقتة، وسوق عام من بين المنشآت المدنية التي ضُربت.

وثقت هيومن رايتس ووتش 3 هجمات جوية في الغوطة الشرقية منذ 14 نوفمبر/تشرين الثاني زُعم أنها عشوائية، في انتهاك لقوانين الحرب. شملت إحدى الحوادث استخدام الذخائر العنقودية، وهي أسلحة محظورة على نطاق واسع وعشوائية بطبيعتها. قتلت هذه الهجمات الثلاث 23 مدنيا على الأقل وأصابت كثيرين آخرين بجراح.

قالت هيومن رايتس ووتش إن التهديد الذي يتعرض له المدنيون جراء الحملة الجوية المكثفة قد تفاقم بسبب عدم الحصول على الرعاية الطبية والمواد الغذائية الأساسية. قتلت الهجمات الجوية والبرية والحصار معا 190 مدنيا على الأقل، بينهم 51 طفلا، بين 14 و30 نوفمبر/تشرين الثاني، وفقا “للشبكة السورية لحقوق الإنسان”.

قامت الحكومة السورية والقوات الروسية بتصعيد غاراتها الجوية على الغوطة الشرقية، من ضواحي دمشق، مما أسفر عن مقتل عشرات المدنيين في هجمات غير قانونية.

 

قال أنس الطعان، أحد السكان المحليين، لـ هيومن رايتس ووتش: “لا نعرف، هل نختبئ في القبو من الغارات، أو نخاطر بالوقوف في الطابور ساعتين على أمل الحصول على الخبز لإطعام أولادنا. هذا هو الخيار الذي نواجهه، والوضع أكثر من مأساوي”.

لا تحظر قوانين الحرب الحصار طالما أن الضرر الذي يلحق بالسكان المدنيين لا يتجاوز المكاسب العسكرية المتوقعة، لا يستخدم التجويع كوسيلة من وسائل الحرب، ولا يعيق إيصال المعونة الإنسانية.

قالت هيومن رايتس ووتش إن القوات السورية فرضت قيودا صارمة على دخول المواد الغذائية والأدوية الأساسية وخروج المدنيين من الغوطة الشرقية، في انتهاك لقوانين الحرب. دخول المساعدات الإنسانية من خلال قوافل الأمم المتحدة محدود للغاية، حيث لم تسمح الحكومة السورية إلا للأمم المتحدة بالدخول ولمرات قليلة خلال العام الماضي. في حين أن القوة المحاصِرة يمكنها أن تمنع دخول الأسلحة والمواد الغذائية وغيرها من الإمدادات الموجهة إلى القوات الخصمة، عليها أن تسمح بدخول السلع الأساسية للمدنيين.

قال مسؤول في الأمم المتحدة لـ هيومن رايتس ووتش إن “الحكومة ترفض بشكل منهجي (إدخال) الأدوية المنقذة للحياة والمعدات الطبية”. وتقدر الأمم المتحدة أن المساعدات لم تصل إلا إلى ربع السكان المحاصرين في الغوطة الشرقية في العام 2017.

كما عرقلت الحكومة دون مبرر إجلاء الأشخاص ذوي الاحتياجات الطبية العاجلة، وفقا لـ هيومن رايتس ووتش. قالت الأمم المتحدة إن قرابة 500 شخص يحتاجون إلى الإجلاء الطبي الفوري وإن 10 أشخاص على الأقل ماتوا منذ يونيو/حزيران في انتظار موافقة الحكومة السورية على مغادرة الغوطة الشرقية للعلاج في أماكن أخرى. أفادت “اليونيسف”، وكالة الأطفال التابعة للأمم المتحدة، في ديسمبر/كانون الأول بأن 137 طفلا تتراوح أعمارهم بين 7 أشهر و17 عاما يحتاجون إلى إجلاء طبي فوري.

أدت الضربات الجوية المتصاعدة وتشديد الحصار في نوفمبر/تشرين الثاني إلى امتلاء سعة المستشفيات، افتقاد الإمدادات الطبية اللازمة، وإنهاك الأطباء. قال ممثل لمنشأة طبية في الغوطة الشرقية لـ هيومن رايتس ووتش: “كان هناك طفل، أسامة الطوخي، عمره 5 سنوات توفي بسبب التهاب في المخ. كان يمكننا أن ننقذه. كان يحتاج فقط إلى حقنة مضادة للفيروسات يمكن إيجادها بسهولة في أي صيدلية بدمشق، لكن ليس هنا”.

قالت هيومن رايتس ووتش إن الاقتتال الداخلي بين الفصائل المسلحة المناهضة للحكومة والقيود المفروضة على حرية التنقل داخل الغوطة الشرقية أسهما في تدهور الأوضاع الإنسانية. قالت هيومن رايتس ووتش إن على الجماعات المسلحة المناهضة للحكومة السماح بالوصول الإنساني دون عوائق وبانتقال المدنيين بعيدا عن مناطق الأعمال القتالية.

في ديسمبر/كانون الأول، أفادت وسائل الإعلام المحلية أن المفاوضات جارية بين الحكومتين الروسية والسورية من جهة، والجماعات المسلحة غير الحكومية الفاعلة في الغوطة الشرقية من جهة أخرى لإجلاء الجماعة المسلحة “هيئة تحرير الشام”، “جبهة النصرة” سابقا، من الجيب المحاصر. قالت هيومن رايتس ووتش إن أي اتفاق يجب أن يكون متسقا مع قوانين الحماية الخاصة لكل من المدنيين الذين يُجلَون من منازلهم والذين يبقون، وينبغي أن يضمن إيصال المساعدات الإنسانية إلى السكان المحتاجين.

قالت فقيه: “ستواجه روسيا صعوبة في جمع السوريين في سوتشي إذا ما استمرت في قصف المدنيين عشوائييا مع السماح لحليفتها الحكومة السورية بمواصلة حصارها الذي يزداد فتكا على الغوطة الشرقية. على الأقل، يجب أن تضغط على الحكومة السورية للسماح بالمساعدات الإنسانية وإخلاء الحالات الطبية الطارئة”.

الجيب المحاصر

يغطي جيب الغوطة الشرقية المحاصر شرق دمشق اتفاق لتخفيف التصعيد بين روسيا والحكومة السورية والمجموعات السورية المناهضة للحكومة في يوليو/تموز الماضي، يدعو إلى وقف لإطلاق النار وتسليم المساعدات الإنسانية. أفادت وسائل الإعلام السورية أن العمليات العسكرية التي قامت بها الحكومة السورية ضد الجيب كانت ردا على هجوم شنته الجماعتان المسلحتان المناهضتان للحكومة “فيلق الرحمن” و”أحرار الشام” يوم 14 نوفمبر/تشرين الثاني على هدف استراتيجي وهو مركز إدارة المركبات بالقرب من بلدة حرستا. ذكرت الحكومة الروسية أن هجمات التحالف في الغوطة الشرقية منذ 14 نوفمبر/تشرين الثاني تستهدف قوات تنظيم “الدولة الإسلامية” (المعروف أيضا بـ “داعش”).

قال 7 أشخاص في الغوطة الشرقية لـ هيومن رايتس ووتش إن الغارات الجوية الروسية-السورية لم تقتصر على حرستا، حيث وقعت الاشتباكات، أو المناطق التي كانت مقرا للمقاتلين، لكنها امتدت إلى مناطق مكتظة بالسكان دون أهداف عسكرية واضحة. في الضربات الجوية الثلاث التي وثقتها هيومن رايتس ووتش في نوفمبر/تشرين الثاني، لم تقدم تقارير الشهود واستعراض الفيديو والصور الفوتوغرافية للضربات أي مؤشر على وجود أي هدف عسكري في المنطقة المجاورة.

كما قصفت جماعات مسلحة غير حكومية في الغوطة الشرقية المناطق المجاورة التي تسيطر عليها الحكومة باستخدام مدافع الهاون، ما أوقع إصابات بين المدنيين وألحق أضرارا بالبنية التحتية، وفقا لمصادر إعلامية موالية للحكومة. الهجمات التي تستخدم الأسلحة العشوائية في المناطق المأهولة بالسكان تنتهك قوانين الحرب.

قال أحمد حمدان، إعلامي في الغوطة الشرقية: “لا يمكننا نحن أن الناس العاديين تحديد سبب قصفنا أو أين سنُضرب في المرة المقبلة. ليس ثمة مكان يمكنك أن تقول عنه ̕حسنٌ، إذا بقيت بعيدا عن هذه المنطقة، سأكون بمأمن“.

3 غارات جوية غير مشروعة

وثقت هيومن رايتس ووتش 3 غارات جوية يبدو أنها غير مشروعة في حمورية وعربين في الغوطة الشرقية في نوفمبر/تشرين الثاني وأوائل ديسمبر/كانون الأول. في حين لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من تحديد ما إذا كانت الهجمات قد نفذتها الطائرات الروسية أو السورية، فإن القوات الروسية والسورية فقط هي التي تشن غارات جوية على المنطقة. لكن المسؤولية عن الغارة الجوية غير القانونية لا تقتصر على الطائرة أو السلاح المستخدم. فجميع الذين يشاركون في الهجوم، بما في ذلك على مستوى القيادة، قد يتحملون المسؤولية القانونية. قوانين الحرب تتطلب من جميع القوات الحكومية المشاركة في هجوم يبدو غير قانوني إجراء تحقيق موثوق ونزيه في هذه الجولة من القتال.

حمورية

قال 4 من السكان المحليين إن طائرات التحالف الروسي-السوري أصابت مدينة حمورية، على بعد 7 كيلومترات من دمشق، عدة مرات منذ 14 نوفمبر/تشرين الثاني. حمورية مدينة مكتظة، وهي سكنية في المقام الأول، تقع أساسا بالقرب من وسط الجيب المحاصر. تخضع لسيطرة الجماعة المسلحة المناهضة للحكومة، فيلق الرحمن.

في 19 نوفمبر/تشرين الثاني، بين الساعة 5:30 و6 مساء، أصابت الطائرات الروسية أو السورية حمورية بالذخيرة العنقودية 3 مرات، بحسب 3 مقيمين وتقارير عبر الإنترنت. شاهد السكان الطائرة حيث كانت تحلق فوق المدينة. قال أحدهم إن الضربات وقعت على ساحة حمورية وقرب شارع الهيجات، وهما منطقتان سكنيتان. تشير المعلومات المتاحة إلى أن الغارات الثلاث استخدمت ذخائر عنقودية، وهي عشوائية بطبيعتها.

قال مصور مدني كان يرافق سيارة إسعاف تابعة للدفاع المدني السوري إلى موقع الهجوم الثاني إنه عندما خرج السائق علاء الدين جحا من السيارة انفجرت ذخائر صغيرة غير منفجرة فقتلته.يظهر مقطعا فيديو انفجار الذخائر الصغيرة وجثة جحا بجانب سيارة إسعاف الدفاع المدني السورية.

ذكر الشهود أن مدنيا آخر هو عبده ياسين توفي في اليوم التالى نتيجة إصابات تعرض لها خلال الهجوم.

قال السكان الثلاثة إنهم لم يكونوا على دراية بأي قوات عسكرية في المنطقة التي أصيبت لأنها بعيدة عن الخطوط الأمامية. تقع حمورية على بعد 3 كيلومترات من أقرب خط أمامي.

في 3 ديسمبر/كانون الأول، ضربت غارتان جويتان بين الظهر والساعة 1 بعد الظهر، وفقا لما ذكره 4 من السكان الذين سمعوا الطائرة قبل الضربات. ضربت الضربة الأولى الطريق في منطقة سكنية بين حمورية وعربين بالقرب من منشأة طبية تدعى مركز بلسم. قال أحمد حمدان، وهو ناشط إعلامي صور الأضرار، إن صاروخا ضرب عمق الطريق وانفجر:

رأيت 6 قتلى مباشرة. سقط الصاروخ في منتصف الطريق، وأحدث حفرة كبيرة. كان قطرها حوالي 1.4 متر. ذهبت إلى الطريق وكان الانفجار ضخما. لم يبق شيء؛ كان الانفجار كبيرا. كان هناك باب من الفولاذ [الحديد] لأحد المباني السكنية، انبعج بشدة.

شملت الغارة الجوية الثانية بعد حوالي نصف ساعة 3 ذخائر، وفقا لثلاث من السكان. قال نبراس حمورية، الذي يعيش في الشارع الذي قُصف بالذخائر، إنه رأى 3 ذخائر أصابت حيه من طائرة بينما كان في الشارع متوجها إلى منزله. اتجه إلى المنزل الذي كان في الطرف المقابل مباشرة من الشارع لإحدى الضربات، ليرى الأبواب والنوافذ مكسورة، وزوجته وأطفاله يبكون – “ولكن لحسن الحظ سالمين”.

قال حمورية إن ذخائر أخرى أصابت أسطح المباني. قال إن الضربات قتلت عمه واثنين من أبناء عمومته البالغين الذين كانوا يعيشون في أحد المباني. كما أن المبنى يضم مدرسة مؤقتة في القبو الذي كان يُستخدم لأن المدارس العادية قد أغلقت بعد هجمات سابقة، وفقا لما ذكره 2 من السكان. دُمرت المدرسة المؤقتة، ولكن لم يصب أي من الطلاب بأذى لانتهاء ساعات الدوام يومها. قال حمورية إن عدة مواطنين آخرين لقوا مصرعهم في منازلهم بسبب الغارات.

قدم السكان الذين وثقوا حالات وفاة من هجمات 3 ديسمبر/كانون الأول قائمة تضم 18 مدنيا قتلوا، بينهم 6 أطفال.

تظهر لقطات فيديو من المسعفين الذين وصلوا إلى مكان الحادث أضرارا واسعة النطاق في الحي من الغارات الجوية في 3 ديسمبر/كانون الأول.

عربين

في 23 نوفمبر/تشرين الثاني، حوالي الساعة 12:30 بعد الظهر، نفذت طائرة روسية أو سورية نحو 8 ضربات على بلدة عربين في الغوطة الشرقية، بحسب 3 سكان. تقع عربين عند طرف الجيب المحاصر تقريبا، على بعد أقل من كيلومتر واحد من مركز إدارة المركبات الذي هاجمته الجماعات المسلحة المناهضة للحكومة في 14 نوفمبر/تشرين الثاني.

قال 2 من السكان إن 4 ضربات أصابت حيا في عربين بسوق عام ومبان سكنية على بعد 100 متر تقريبا.

قال عمار البشيري، وهو مواطن محلي كان في المنزل عندما ضربت الضربة الأولى:

سمعنا طائرة حربية… ضربت الذخيرة المنزل المجاور مباشرة، وهم جيراننا. كان الانفجار هائلا. كنت في المنزل وكان الصوت عال جدا. ألقاني الانفجار جانبا.

قال إنه لم يشعر بأي شيء لعدة ثوان:

ملأ الصراخ المكان، كان هناك الكثير من الضوضاء، كان الغبار في كل مكان. لم أتمكن من الرؤية بعدها بسبب ذلك. لم أجد طريقي لأخرج. كان السقف بالأسفل، كُسرت الأبواب، لم أتمكن من الخروج. لم أتمكن من الرؤية. كانت الحالة مروعة.

أسفرت الغارات عن مقتل 3 مدنيين: صاحب متجر، وطفلين، وجرح ما لا يقل عن 20 شخصا، وفقا لتقارير إعلامية وشهود.

قال البشيري: “عندما خرجت لأول مرة، كان هناك رجل ميت على الطريق مقابل منزلنا، أصيب بشظية. كانت هناك أيضا طفلتان، إحداهما كانت ما تزال حية، كنا ما نزال نسمع صوتها”.

القيود المفروضة على السلع الأساسية والوصول الإنساني

حاصرت قوات الحكومة السورية والميليشيات المرتبطة بها الغوطة الشرقية منذ العام 2013. في أبريل/نيسان 2017، استعادت القوات الحكومية أحياء برزة والقابون في شرق دمشق، وأغلقت أنفاق التهريب بين الأحياء، ما أدى إلى تقييد حركة المساعدات وإجلاء الأشخاص ذوي الاحتياجات الطبية العاجلة للخروج من الجيب.

كما شددت الحكومة الحصار في 3 أكتوبر/تشرين الأول من خلال تقييد استخدام الوافدين بشدة، وهو المعبر التجاري الوحيد مع المنطقة المحاصرة. أدى إغلاق الأنفاق والمعبر إلى ارتفاع أسعار السلع في الغوطة الشرقية.

قال عامل في مجال الإغاثة إن تكلفة شهر واحد في الغوطة الشرقية من “سلة مصروفات الحد الأدنى للبقاء على قيد الحياة” – وهي وحدة تستخدمها المنظمات الإنسانية لقياس الاحتياجات الأساسية للبقاء لكل أسرة – بلغت في الشهر الماضي حوالي 700 دولار أمريكي. ووجد تقييممشترك بين وكالات الأمم المتحدة أنه بحلول منتصف نوفمبر/تشرين الثاني، كان سعر حزمة الخبز في الغوطة الشرقية 85 ضعف السعر في دمشق القريبة؛ في أغسطس/آب كان 24 ضعف السعر في دمشق. ويقدر السكان أن متوسط أجر ​​العمال يتراوح بين 50 دولارا و100 دولار شهريا تقريبا، وقالوا إن الأغلبية عاطلون عن العمل.

وصف فراس عبد الله، وهو ناشط إعلامي في مدينة دوما في الغوطة الشرقية، تأثير الحصار:

الحصار يقتلنا. على الرجل أن يعمل وظيفتين لجمع ما يكفي من المال لتأمين وجبة واحدة لأطفاله يوميا، إذا أمكنه ذلك. الوضع سيئ كما كان في 2013-2014. وصلنا إلى درجة كنا خلالها نأخذ الأعلاف التي خبأناها للدجاج – قاسية جدا، وغير صالحة للأكل – ونأكلها.

قال مسؤولون وعاملون في مجال المساعدات إن الحكومة لا تسمح سوى لتاجر معروف واحد باستخدام معبر الوافدين لجلب البضائع. وقالوا إنه في نوفمبر/تشرين الثاني طُلب من التاجر دفع ضريبة تبلغ حوالي ألفي ليرة سورية (4 دولارات) لكل كيلوغرام من المواد التي جلبت، ما يجعل البضائع أكثر تكلفة.

يقول طبيب من عربين: “تخيل لو كان الطريق الذي يدخل المساعدات مفتوحا، يمكن [للحكومة السورية] القيام بذلك. لا يريدون ذلك. بالمقابل، علينا أن ندفع أسعارا باهظة، تذهب إلى النظام لتمويل الميليشيات ذاتها التي تحاصرنا”.

قال طبيب آخر: “يموت الكثير من الأطفال من سوء التغذية. وهذا عار على المجتمع الدولي بأسره، وعلى كل من يراقب”.

قيدت الحكومة السورية عدد قوافل المساعدات التابعة للأمم المتحدة إلى المنطقة ومقدار وأنواع البضائع التي يمكن تسليمها. قال العاملون في المجال الإنساني إن القوافل التي دخلت منذ سبتمبر/أيلول لم تحتو على معونة كافية للسكان الذين كانت تستهدفهم، وكثيرا ما لا تلبي احتياجاتهم. قال مسؤول أممي في دمشق إنه حتى عندما يتم منح الإذن فإن القضايا الإدارية والأمنية غالبا ما تؤدي إلى تأخيرات مفرطة.

منذ تشديد الحصار، كانت هناك تقارير عديدة عن إلحاق الضرر بالمدنيين بسبب نقص الغذاء أو الدواء الكافي. وقالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن ما لا يقل عن 5 مدنيين لقوا مصرعهم كنتيجة مباشرة لنقص الغذاء أو الأدوية بين 14 و28 نوفمبر/تشرين الثاني. في 2 نوفمبر/تشرين الثاني، أفادت وسائل الإعلام المحلية أن فتاة عمرها سنة واحدة تدعى مرام، تعيش بكلية واحدة، احتاجت دواء لم يكن متوفرا وجراحة لا يمكن إجراؤها داخل الجيب.

أفادت “سيج ووتش” أنه في 13 نوفمبر/تشرين الثاني، توفي طفل يدعى وليد من مرض في القلب بعد أن رفضت السلطات السورية طلبات الإجلاء الطبي. قال مدير المستشفى في 30 نوفمبر/تشرين الثاني إن الأدوية كانت شحيحة، وإن المرضى بحاجة إلى إجراءات وعلاجات لم تكن متوفرة: “توفيت فتاة صغيرة بسبب مشاكل في قلبها، لكي نشخص حالتها كنا بحاجة إلى مخطط صدى القلب، الذي لم يكن لدينا للأطفال”.

قال الأطباء إن الافتقار إلى الأدوية والرعاية الطبية الكافية أصاب الناس باليأس.

وصف طبيب من عربين محاولة إجلاء فتاة تدعى سارة، كانت تعاني من ورم خبيث في عينها، وهي حالة وراثية قتلت اثنين من أشقائها:

لم نوفر جهدا في محاولة إخراجها للعلاج، لكن دون جدوى. لم يخرجنا أو يساعدنا أحد. لقد ماتت. أنجب والداها فتاة أخرى، قبل حوالي شهر أو شهرين، تشير الاختبارات الأولية إلى أن لديها نفس المرض. والدها، هذه المرة، عندما أردت مناقشة العلاج معه رفض تماما. قال إنه لا يريد أن يناقش العلاج بعد الآن، وإنه لا يريد أن يعالجها بعد الآن – لا جدوى منه. قال لي ̕سوف ننتظر لنموت معا̔.

وصف الطبيب الضغوط على النظام الطبي:

 في 18 أو 19 [نوفمبر/تشرين الثاني]، كانت هناك غارة جوية وأصيب قريبي. شاب يبلغ من العمر 33 عاما ولديه أطفال، اضطررنا لبتر يديه. كنت أنا من يعالجه، لم أدرك أنه كان قريبي.  لم أكن أدرك حتى وصلت إلى المنزل، قالت لي زوجتي إن أحد أقاربي بترت يداه. سألتها، هل بترت كلتا يديه؟ قالت نعم. لقد عالجته، لكن عدد المرضى أفقدني تركيزي، حتى أنني لم أتعرف إليه. هذه هي حياتنا الآن.

القانون الإنساني الدولي

يحظر القانون الإنساني الدولي أو قوانين الحرب التي تنطبق على النزاع المسلح في سوريا الهجمات التي تستهدف المدنيين أو الممتلكات المدنية التي لا تميز أو لا تستطيع أن تميز بين المدنيين والمقاتلين أو التي تسبب ضررا للمدنيين أو الممتلكات المدنية بشكل غير متناسب مع أي مكاسب عسكرية متوقعة. على جميع أطراف النزاع الالتزام باتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنيب المدنيين الأذى، وعدم نشر القوات في مناطق مكتظة بالسكان.

قوانين الحرب لا تحظر حرب الحصار ما دام الغرض تحقيق هدف عسكري وعدم التجويع أو التسبب في ضرر غير متناسب للسكان المدنيين. لا يجوز ترحيل المدنيين قسرا ما لم يعتمد أمنهم على إجلائهم.

يقع على عاتق الطرف الذي يفرض حصارا يؤدي إلى تجويع السكان المدنيين الالتزام بتوفير إمكانية وصول المساعدات الإنسانية للمدنيين المحتاجين إليها وعدم عرقلتها تعسفا. على الأطراف أيضا أن تكفل حرية تنقل العاملين في المجال الإنساني، التي لا يمكن تقييدها إلا مؤقتا لأسباب تتعلق بالضرورة العسكرية الملحة.

يمكن محاكمة الأفراد الذين يرتكبون انتهاكات خطيرة لقوانين الحرب ذات القصد الإجرامي – أي عن قصد أو بتهور – لارتكابهم جرائم حرب. ويمكن أيضا تحميل الأفراد المسؤولية الجنائية عن المساعدة في ارتكاب جرائم حرب أو تيسيرها أو المساعدة أو التحريض عليها.

المصدر: هيومن رايتس ووتش

Print Friendly