من نحن

المركز السوري للإعلام و حرية التعبير مركز مدني , غير ربحي , مستقل, لا يرتبط بأي جهة سياسية أو دينية أو حزبية أو اقتصادية ، سواء في داخل سورية أو خارجها. يقف على مسافة واحدة من الجميع متسلحا بالمهنية و الاستقلالية من أجل الوصول إلى أهدافه التنموية بعيدا عن الأجندات السياسية الحزبية , على اعتبار أن حرية التعبير عن الرأي قيمة حضارية إنسانية بحد ذاتها و الدفاع عنها واجب مجتمعي قبل أي شيء .

"إن أفضل طريقة لمعرفة الحقيقة هي التبادل الحر للآراء
وان السبب الوحيد لمنع ذلك هو الخوف من ظهور الحقيقة"
                                                                                                             اندريه شيدنيوس

مرت البشرية بمراحل طويلة حتى أصبحت حرية الرأي والتعبير – الحاضن الرئيسي لحرية الإعلام – إرثا إنسانيا راسخا غير خاضع للمساومة اختلفت درجاتها بحسب اختلاف تركيبة المجتمعات وبنيتها الاقتصادية والاجتماعية وتطورها السياسي. تجلت أولى إرهاصاتها الدستورية الحديثة في وثيقة " الماغنا كارتا " ( ميثاق العهد الأعظم ) في بريطانيا عام 1215 والتي تقّيم حقوق وواجبات الملك وأتباعه من رجال الإقطاع وترسم حدودها وانعكاسها على حقوق المواطنين والتي تطورت لاحقا إلى لائحة الحقوق في بريطانيا عام1688 والتي أرست مبدأ منع مساءلة أو محاكمة عضو البرلمان عن أي قول خارج البرلمان. وأسهمت كتابات العديد من المفكرين في تطوير مفهوم حرية الرأي و التعبير مثل جون لوك و جون استيوارت ميل واندريه شيدنيوس الذي قال: ( إن أفضل طريقة لمعرفة الحقيقة هي التبادل الحر للآراء وان السبب الوحيد لمنع ذلك هو الخوف من ظهور الحقيقة ) . انعكست هذه الإسهامات الفكرية على المنظومة الإعلامية لتعلن عن ولادة السلطة الجديدة القادمة التي عبر عنها اللورد ادموند يورك المتوفى عام 1797 حين قال: ( في مجلس العموم البريطاني تتواجد سلطات ثلاث ولكن عندما ينظر الإنسان إلى مقاعد الصحفيين يجد السلطة الرابعة). و شكل الإعلان الفرنسي لحقوق المواطنة عام 1789 نقلة نوعية على الصعيد الفكري حيث نص على أن (حرية التعبير هي من الحريات الأساسية للإنسان) وبذلك نقلها من حيز الحقوق المكتسبة إلى حيز الحقوق الأصلية التي توجد مع وجود الإنسان وتشكل جزءا لا يتجزأ من كيانه ولا يجوز الانتقاص منها بأي حال من الأحوال. ومع إنشاء منظمة الأمم المتحدة عام 1945 وضعت الأسس الأخلاقية و القانونية للالتزام بحرية التعبير على الصعيد الدولي والتي أثرت في معظم دساتير الدول الأعضاء فقد جاء في قرار الهيئة العامة للأمم المتحدة في أول اجتماع لها بتاريخ 14121946 :
– ( إن حرية المعلومات هي حق أساسي للإنسان و حجر الزاوية لجميع الحريات الأساسية التي تنادي بها الأمم المتحدة القرار 59 د-أ) وصولا إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة بتاريخ 10121948 و الذي جاء في المادة 19 منه : ( لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير. ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية). وفي سياق الاعتراف المتزايد بأهمية دور الصحافة الحرة في دعم و تعزيز الديمقراطية والتنمية، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 3 أيار/مايو "اليوم العالمي لحرية الصحافة".  حيث أصبح هذا اليوم يشكل مناسبة في العالم قاطبة للاحتفال بحرية الصحافة، وتوعية الرأي العام إلى انتهاكات حرية التعبير، واسترعاء الانتباه إلى عمل الصحافيين الذين يتعيّن عليهم المجازفة بحياتهم أو بدخول السجن من أجل إيصال المعلومات إلى الناس يوميا. وكل سنة، في احتفالات اليوم العالمي لحرية الصحافة تسلم جائزة اليونسكو العالمية لحرية الصحافة (غييرمو كانو) إلى صحافي تميّز بعمله في الدفاع عن حرية الصحافة.

ذا كان كل البشر يمتلكون رأيا واحدا وكان هناك شخص واحد فقط يملك رأيا مخالفا
فان إسكات هذا الشخص الوحيد
لا يختلف عن قيام هذا الشخص الوحيد بإسكات كل بني البشر إذا توفرت له القوة"
                                                                                                                         جون ستيوارت ميل

وكما أن حرية الرأي والتعبير إرثا إنسانيا كلف البشرية قرونا من النضال و الثورات إلا أن محاولة السيطرة عليها أيضا ظاهرة عالمية تتعدد أنواعها و أشكالها بحسب نوع وشكل النظم السياسية و البنى الاجتماعية و الاقتصادية و قد تنبهت السلطة الدينية باكرا لخطورة الإعلام فقامت الكنيسة بتحريم اختراع الطباعة الذي أنجزه يوحنا غوتنبرغ في عام 1452 و لعنته ولم تعد الكنيسة الاعتبار لغوتنبرغ حتى عام 1995, ولم يجد عمرو بن العاص أي سبب يمنعه من إحراق مكتبة الإسكندرية عندما فتح مصر  بعد حصوله على مباركة السلطة الدينية لهذه الخطوة .
إن حق التعبير عن الرأي بحرية كاملة خالية من أي قيود أو ضغوط هو حق أساسي من حقوق الإنسان الفرد لا يعلو عليه إلا حق الحياة. وهو حق في ذاته بصرف النظر عما إذا كان الرأي الذي يتم التعبير عنه صحيحا أو خاطئا، مقبولا أو مكروها من أغلبية أو أقلية، أو من سلطة أو حكومة. وهو حق مجرد من اعتبارات الظروف المحيطة به مثل اعتبارات الزمان والمكان. ولا يجوز تقييد حق التعبير عن الرأي بحال من الأحوال إلا فيما يتجاوز التعبير عن الرأي إلى تهديد حق الحياة لفرد أو أفراد آخرين. ومن ثم فإن التحريض على العنف والقتل لا يدخل في باب حرية التعبير عن الرأي لأنه قد يؤدي إلى قتل نفس بريئة، أي قد يؤدي إلى إزهاق حق الحياة لأفراد آخرين وهو حق يعلو على حق التعبير عن الرأي.

" لكل مواطن الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية و علنية
بالقول و الكتابة و كافة وسائل التعبير الأخرى"
                                                                                                                    من المادة 38 الدستور السوري

 

 وحق التعبير عن الرأي هو في جوهره حق الاتصال والمعرفة. اتصال الفرد بغيره من الأفراد واتصاله بالجماعة التي ينتمي إليها وبالجماعات الأخرى المجاورة أو البعيدة. ويكون حق الاتصال والمعرفة بالتعبير الشفاهي أو المكتوب أو بالرسم أو بالتمثيل. وقد تطور حق التعبير عن الرأي داخل المجتعات وفيما بينها تطورا كبيرا بسبب تطور التكنولوجيا منذ اهتدى الإنسان إلى عناصر اللغة ومكوناتها. فمن اختراع حروف الكتابة إلى تطور تكنولوجيا الكتابة وصناعة الورق والطباعة والنشر والتوزيع إلى تطور تكنولوجيا الاتصال السمعي والبصري وأخيرا إلى تطور تكنولوجيا الاتصال والبث الفضائي عبر الأقمار الصناعية وعبر شبكة الإنترنت فجاء إعلان اليونسكو لعام 1978 ليعزز حرية التعبير و ذلك من خلال إسهام وسائل الإعلام في دعم السلام العالمي و التفاهم الدولي و تعزيز حقوق الإنسان ومكافحة العنصرية و الفصل العنصري و التحريض على الحرب . تطورت أدوات ممارسة حرية التعبير عن الرأي تطورا ثوريا في كل عصر من العصور.

"من المستحيل تحقيق الحد الأقصى من الاستقرار السياسي والنمّو الاقتصادي والديمقراطية
بدون تدفق المعلومات بحرية"
                                                               الين هيوم

ويتصل حق التعبير عن الرأي مباشرة بعملية تطوير الوعي الفردي والجمعي، أي تطوير الوعي بالذات وتطوير الهوية للفرد وللجماعة. فثورات المعرفة في كل عصر من العصور لم تكن لتأخذ مداها بدون حرية التعبير عن الرأي. وسواء نظرنا إلى عصور النهضة في التاريخ القديم أو الوسيط أو الحديث، فإن تراكم المعرفة كان يرتبط في كل منها بازدهار حرية التعبير عن الرأي. كذلك فإن التطورات السياسية الكبرى في تاريخ العالم كانت في جوهرها تعبيرا عن انقلاب في الوعي بسبب تراكم المعرفة أي بزيادة حرية التعبير وحركة الاتصال فيما بين الأفراد والجماعات. وقد أدى الاستبداد المعرفي وقمع حرية التعبير عن الرأي إلى تدهور وتراجع إنجازات الحضارة والانحطاط إلى حلول عصور الظلام والجهل وانتشار الفساد واختلال القيم وتدني قيمة الإنسان الفرد إلى أدنى درجة.