تقرير الهندسة الديمغرافية في سوريا؛ نتيجة للحرب أم سبب لها

خلال عقد من بدء الحراك الشعبي عام 2011، ثم الحرب في سوريا، اضطر 3 من كل 5 سوريين للنزوح عن بيوتهم، ومنهم من اضطر للنزوح أكثر من مرة. تشرد نحو 14 مليون سوري بين نازح ولاجئ، أي نحو 60 بالمئة من عدد سكان سوريا. أما بالنسبة لدمار العمران، قدّر البنك الدولي أنه حتى أوائل عام 2017، تعرض نحو ثلث المساكن ونحو نصف المنشآت الطبية والتعليمية للتدمير الكلي أو الجزئي. في تقدير آخر عام 2019 لـ “معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث-يونيتار”، وصل عدد السكان الذين يعيشون في المناطق الحضرية والذين تضرروا من القصف الجوي والقتال داخل البلدات والمدن منذ عام 2011 إلى 53٪ من عدد سكان سوريا.

تركز معظم الأبحاث والتقارير حول قصف الحكومة السورية وتدميرها للمناطق السكنية، وعلى استخدام القصف العشوائي كسياسة ممنهجة في حربها في المناطق الحضرية، بغرض إثبات جرائم الحرب. تفترض هذه الأدبيات أن الحكومة تستخدم هذه التكتيكات والممارسات الحربية بشكل أساسي لأسباب عسكرية تتعلق بتحقيق النصر العسكري بأي ثمن بما فيه من خلال جرائم الحرب. وتهدف هذه الأدبيات عموماً إلى إثبات سياسة القصف العشوائي الممنهج كأساس لتجريم الحكومة السورية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. مع ذلك، فإن هذا الإثبات وتحديد نية الحكومة وراء التدمير الشامل للأعيان المدنية لا يلعب دوراً رئيسياً في إثبات مخطط الهندسة الديموغرافية جاري التنفيذ على نطاق واسع.

لإثبات أن الحكومة السورية ترتكب الهندسة الديمغرافية لتعزيز سيطرتها على حساب السكان الأصليين، يجب البحث في سياسات الحكومة ما بعد التدمير تجاه المناطق المدمرة، بما فيها ما تسميه إعادة الإعمار، إضافة لما نشرحه بالتفصيل في هذا التقرير على أنه استكمال للإبادة الحضرية ونبين فيه ترابط مواقع المخططات التنظيمية السابقة والحديثة ومناطق التدمير والهدم منذ عام 2011.

يحلل التقرير أيضاً الصلة بين المخططات التنظيمية قبل عام 2011، والمخططات الحديثة والمناطق المدمرة بعد 2011، ويجادل بأن هذه الصلة سواء كانت ارتباطاً ظرفياً أو علاقة سببية، فإن الطريقة التي تتصرف بها الحكومة السورية بعد التدمير تنفي الحاجة لإثبات السببية، وتثبت تنفيذها للهندسة الديمغرافية التمييزية.

كما يحلل هذا التقرير الصادر عن مركز توثيق الانتهاكات في سوريا التابع للمركز السوري للإعلام وحرية التعبير عمليات تهجير السكان وتدمير العمران في سياق التغيير المتعمد للتركيبة السكانية في سوريا، من منظور الهندسة الديمغرافية. ويتتبع التقرير مسارات الديمغرافيا قبل النزاع وخلاله، ويعرّف مفاهيم حديثة كالهندسة الديمغرافية والإبادة الحضرية في سياق الواقع السوري. كما يستعرض أبرز عمليات التهجير في سوريا.

لا يبحث التقرير في الأسباب الطبيعية للتغيير الديمغرافي، كالولادات والنزوح الطبيعي إلى المدن، والأسباب المناخية وغيرها، بل يركز على الجهود المتعمدة للتغيير السكاني، أي الهندسة الديمغرافية، ويسلط الضوء على دور المواقف السياسية والدينية والعرقية المختلفة التي استخدمت كدوافع للتهجير والفظائع التي أجبرت السكان على الرحيل عن بيوتهم ومناطقهم. 

يقدم التقرير في ختامه توصيات إلى أطراف النزاع والمجتمع الدولي وذوي المصلحة، ونؤكد على ضرورة إنهاء المتجمع الدولي والجهات المعنية تجاهلها الصارخ لملف حقوق السكن والأراضي والملكية في سوريا، وضرورة إدراجه كأولوية في أي محادثات، والتأكيد على أن هذه الحقوق أرضية رئيسة لأي عملية تسوية سياسية في سوريا، بما فيه لضمان قدرة النازحين واللاجئين العودة إلى ديارهم في الوقت المناسب. بالإضافة إلى وقف تهميش ضحايا التهجير وأصحاب الحقوق وتمكينهم من المشاركة في أي عمليات قرار متعلقة بمساكنهم وممتلكاتهم وعودتهم، وتعزيز قدرتهم على التأثير في اتخاذ القرارات المتعلقة بمصيرهم وممتلكاتهم.

للاطلاع على التقرير كاملاً: