مسارات المساءلة الجنائية في سوريا

12/05/2026

بعد أكثر من خمسة عقود من الحكم الاستبدادي، وأربعة عشر عاماً من الصراع المدمر، تواجه سوريا المهمة المتمثلة في مواجهة إرث متجذر من الفظائع الجماعية والإفلات من العقاب. ومع شروع البلاد في عملية العدالة الانتقالية التي هي بحاجة ماسة لها، تبرز المساءلة الجنائية باعتبارها ركيزة أساسية في هذه العملية، وهي ضرورية ليس فقط لمعالجة الجرائم السابقة، بل أيضاً لردع الانتهاكات المستقبلية، وإعادة بناء الثقة في المؤسسات، واستعادة سيادة القانون.

يقدم تقرير “مسارات المساءلة الجنائية في سوريا”، الذي وقعت عليه 27 من منظمات المجتمع المدني السوري، خريطة طريق عملية لإنشاء آلية عدالة جنائية موثوقة وشاملة ضمن الإطار الأعم للتعافي الوطني. ويستند التقرير إلى عملية تشاور متعددة المراحل استمرت ثمانية أشهر وشارك فيها خبراء قانونيون سوريون ودوليون ومنظمات من المجتمع المدني وجمعيات وروابط الضحايا والناجين وممثلون عن اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية واللجنة الوطنية للمفقودين.

ولا يسعى هذا التقرير إلى تقديم توصية برؤية معينة لإطار العدالة الجنائية. وإنما يقدم مجموعة من الخيارات التي يمكن أخذها في الاعتبار عند بناء هذا الإطار، مع تقييم مزايا وعيوب كل خيار من هذه الخيارات. ويبدي الرغبة والاستعداد للتعاون مع اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية في إطار شراكة على الطريق الطويل نحو المساءلة الجنائية، مرتكزة على المبادئ الأساسية لاستقلال القضاء ونزاهته، واحترام حقوق الإنسان وضمانات المحاكمة العادلة، والعدالة التي تضع الضحايا في صميم اهتماماتها، وعدم التمييز، والشفافية والرقابة، وبناء القدرات المؤسسية، والمشاركة الشاملة للضحايا والأسر والمجتمع المدني.

ويبدأ التقرير بتفحص النماذج الممكنة لآلية العدالة الجنائية، بما في ذلك إنشاء محكمة محلية خاصة، أو محكمة مختلطة، أو نهج متعدد المستويات يدمج الآليات المحلية والدولية. ومن ثم يقيم كل خيار من حيث جدواه القانونية ومتطلباته المؤسسية وتوافقه مع الواقع الاجتماعي والسياسي في سوريا، مع التركيز بشكل خاص على إنشاء محكمة محلية خاصة، وعلى القضايا ذات الصلة التي ينبغي أخذها في الاعتبار في هذا الصدد.

بعد ذلك يستكشف التقرير الخيارات المختلفة لتحديد الموضوع والولاية الزمنية والشخصية ضمن ولاية العدالة الجنائية. ويحلل مزايا اعتماد كل خيار وعيوبه، من حيث صلته بالسياق السوري والواقع السياسي القائم. وبوضع هذه الولايات المحتملة في الاعتبار، ينظر التقرير في مختلف استراتيجيات الملاحقة القضائية التي يمكن استخدامها، مع مراعاة العوامل التي ستؤثر على تحديد أولويات الملاحقة القضائية.

واضعاً في حسبانه الحاجة الماسة إلى الدعم، ينظر التقرير كذلك في الدور الذي يمكن أن تضطلع به الجهات الفاعلة الخارجية كشركاء أو داعمين في عملية العدالة الانتقالية. ويقيم التقرير الأدوار المحتملة التي يمكن أن تضطلع بها الهيئات الحكومية ومجتمعات الضحايا والناجين ومنظمات المجتمع المدني والجهات الفاعلة الدولية. ويمكن أن تضمن مشاركة هذه الأطراف أن تكون عملية العدالة الجنائية شاملة وتشاركية ومملوكة وطنياً، يدعمها الشركاء الدوليون ولكن من غير أن تسير بتوجيههم.

وإدراكاً لإمكانية تسخير العدالة الجنائية لتحقيق تأثير أوسع، ينظر التقرير في الإصلاحات الدستورية والقانونية والمؤسسية التي يمكن أن تتقدم بالتوازي. ويقر بالحاجة إلى هيكلية ترابطية ومتكاملة لركائز العدالة الانتقالية، تتجاوز المساءلة الجنائية. ومن ثم ينتقل التقرير إلى تحديد الثغرات القانونية والهيكلية الرئيسية في نظام العدالة السوري، مثل غياب أطر عمل للجرائم الدولية، وضعف استقلال القضاء، والحواجز الجنسانية التي تعوق مشاركة المرأة، ويقترح إصلاحات لمعالجتها.

ومن خلال خريطة الطريق هذه، يرسم التقرير مساراً لصياغة عملية عدالة جنائية تقودها سوريا وتستند إلى مبادئ حقوق الإنسان، وتعكس احتياجات الشعب السوري وتطلعاته، وتمهد الطريق لإصلاح مؤسسي أوسع نطاقاً. 

12/05/2026
المركز السوري للإعلام وحرية التعبير Syrian Center for Media and Freedom of Expression
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.