عباس علي موسى وماريا يوسف
“قوات عسكرية درزية تعذب أسير من قوات عشائر البدو بالآسيد”، عبارة مرفقة بفيديو انتشر انتشار النار في الهشيم على 22 قناة على تليغرام أثناء أحداث العنف في السويداء، في مطلع تموز/يوليو 2025. غير أن تحليل هذا الفيديو الذي اجتذب آلاف المشاهدات، تبيّن أنه مضلل.
في المقابل، انتشرت عشرات من المنشورات التي تحملُ خطاب كراهية على وسوم تناقلتها قنوات “درزية” في الفترة ذاتها، على تليغرام.
يرصد هذا التقرير المدعوم بالبيانات انتشار خطاب مُضلّل وتحريض طائفي ومحتوى عنيف من حساباتٍ داخل سوريا وخارجها، وبعضها آلي خلال أحداث السويداء، على تليغرام بالمخالفة لسياسات المنصّة التي تحظر الدعوات إلى العنف.
تنسيق محكم
انتشر الفيديو الذي يزعم ناشروه أنّه يُظهر تعذيب أسيرٍ على 22 قناة على تليغرام، مع منشور موحّد، وتحت وسوم مشتركة، وخلال هذه الساعات القليلة كان الفيديو قد وصل عدد مشاهداته إلى 22691 مشاهدة لجمهور إجمالي قوامه 101.478 مشترك.
تكشف قراءة القنوات الـ22 التي روجت للمقطع المضلل عن شبكة بأهداف موحدة توزع نصاً قياسياً ووسوماً موحدة لإعادة نشره بسرعة عبر قنوات متفاوتة الحجم والقدم؛ من منصات كبرى واسعة الوصول؛ مثل “قتادة صاعقة – سوريا” (23,691 مشتركاً) و”صدى سوريا – الرسمية” (14,263) و”طيف للأخبار” (12,016)، إلى قنوات صغيرة؛ مثل “الملخّص (الإخبارية)” (128) و”منبر الحقيقة” (170).
وزمنياً، نشرت قنوات قديمة وحديثة المحتوى نفسه في فترة زمنية متقاربة، وجغرافياً، كشف التحليل أن الاستهداف يتركز في البيئة السورية ومناطقه الحساسة كالسويداء ودير الزور، ما يعزز الطابع الموجه للمنشورات.
ورغم تفاوت المشاهدات – بلغت في إحدى القنوات 22,691 مشاهدة- ظل التفاعل متدنياً، وتركز الاهتمام على الوصول لا النقاش. أما الأهم فهو غياب تام لسياسات التحقق ونسب المصدر؛ فقد قُدم فيديو عام 2018 كـ”تسريب” بتاريخ 8 آب/أغسطس 2025، في مثالٍ على تصنيع تأثير الصدى لبناء مصداقية زائفة عبر التكرار.
ووفق تقييمٍ رسمي تلقّاه فريق التحقيق من شبكة تدقيق المعلومات “True Platform“، فإنّ الصياغات المُرافِقة للمقطع، من قبيل “السويداء غابة تقودها ميليشيات، و”ميليشيات الدروز بقيادة حكمت الهجري”، تُنتج تعميماً إزاء طائفة دينية، وترقى إلى تحريض على الكراهية، فيما يفتقر الفيديو نفسه إلى مقومات التوثيق المتمثلة في: متى وأين صُوِّر، وهوية الظاهرين، وظروف الاحتجاز، وما إذا وقع الحرق فعلاً، ما يجعله مثالاً على مبالغة مُضلِّلة تزيد قابليته للتحويل إلى عنف، خاصة في ظل سياق توتّر طائفي متصاعد منذ منتصف تموز/يوليو 2025.
بداية الموجة
منذ اندلاع أحداث السويداء في 12 تموز/يوليو 2025، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً في تأجيج الصراع عن طريق بث خطاب الكراهية والتحريض والدعوات الصريحة إلى العنف أحياناً. وعلى الرغم من أن هذا الخطاب انتشر في معظم المنصات؛ بما فيها فيسبوك وإكس وتيك توك وغيرها، إلا أنه كان لانتشاره على منصة تليغرام دور بارز في تأجيج خطاب الكراهية والتحريض على العنف.
بدأت الأحداث الميدانية بتوترات بين جمّاعات مسلّحة درزية ومقاتلي عشائر بدو في الفترة ما بين 11 و12 تموز/يوليو 2025، قبل أن تتصاعد مع دخول القوات الحكومية السورية المؤقتة إلى مدينة السويداء في 15 تموز/يوليو؛ بحجة “استعادة الاستقرار”، وفرض حظر التجول. خلال يومي 15 و16 تموز/يوليو، وثقت “منظمة العفو الدولية” إعدام 46 شخصاً درزياً (44 رجلاً وامرأتان) خارج نطاق القضاء على يد قوات حكومية وقوات تابعة لها، في أماكن متعددة شملت ميدان تشرين العام، ومنازل سكنية، ومدرسة حكومية، والمستشفى الوطني، وقاعة مناسبات.
قام فريق التحقيق بتتبع قنوات تليغرام وبعض حساباتها التي نشطت في أحداث السويداء، وأسهمت في تناقل أخبار كان بعضها مضللاً، وبعضها محرضاً على العنف، في حين السمة التي اجتمعت في المنشورات هي في كونها تندرج ضمن خطاب الكراهية.
قمنا في البداية بتحليل المنشورات يدوياً، ورصدنا أنماط النشر والتفاعل داخل مجموعة من القنوات، ما أتاح لنا ملاحظة ترابطٍ أولي بينها. وبعد ذلك لجأنا إلى أداة Telemetr.io، وهي منصة تحليلية متخصصة برصد نشاط قنوات تليغرام، تقيسُ مُعدلات النمو وعدد المشتركين، وتتابع المنشورات الأكثر تداولاً والوسوم المصاحبة لها. وقد أثبتت الأداة بالفعل وجود ترابط واضح بين تلك القنوات، وساعدتنا في تحديد القنوات المترابطة والمنسقة في عملية النشر، وتلك التي أسهمت في تضخيم الانتشار عبر إعادة مشاركة المحتوى الموحد، ما مكن من رسم خريطة أولية لتدفق المعلومات المضللة.
كما قام الفريق بتحليل المحتوى البصري والنصي وتصنيفه من حيث درجة العنف والدموية، مستعيناً بأداة Hive Moderation المعتمدة على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل المحتوى، وذلك بهدف التحقّق من طبيعة المقاطع المتداولة وتصنيفها، وفق معايير الخطاب العنيف أو المحرض على الكراهية.
وعرض الفريق مجموعة من النماذج المتنوعة والعشوائية من المنشورات التي جُمعت خلال عملية الرصد على خبير مختص، لتصنيفها استناداً إلى معايير التحليل المعتمدة في هذا التحقيق، والمتوافقة مع المعايير الدولية للمنصات الرقمية.
كما عمل فريق التحقيق على التحقق من المنشورات المضللة التي تم رصدها خلال فترة المتابعة، بهدف تحديد مصادرها وأنماط تداولها، وقياس مدى تأثيرها في مسار النقاش العام. وخلال عملية الرصد، تم توثيق 139 منشوراً نُشرت عبر 59 قناة على تلغرام، توزعت بين قنوات موالية للحكومة السورية المؤقتة يغلب عليها الطابع السياسي في تحيزها، وأخرى مناوئة لها لكنها منحازة للقوى “الدرزية”؛ أي ذات طابعٍ منحاز للطائفة -سواء أكانوا ينتمون للطائفة الدرزية أم ينحازون لها كأقلية، كما الحال في رصد ثلاث قنوات كردية منحازة لها- ويبدو ذلك واضحاً في خطابها ومضمونها.
سرديّة مُصنَّعة
من خلال التتبّع من قبل فريق التحقيق توصلنا إلى فيديوهات وصور عنيفة، مصحوبة بزعم بأن مرتكبي العنف ينتمون إلى بعض القوى المسلحة الدرزية في السويداء، مصحوبة بوسوم؛ من قبيل: #كلاب_الهجري، توثيق_انتهاكات_عصابات_الهجري، #الخائن _الهجري أو وسوم أخرى تركز على إدانة الهجري؛ مثل:
#العدالة_للضحايا، #الهجري_يقتل_المعتقلين، #جرائم_حكمت_الهجري، #نتهاكات_ميليشيات_الهجري، والجامع بينها هو التركيز على شخصية حكمت الهجري، القائد الروحي للطائفة الدرزية، الذي قاد الفصائل العسكرية، ووجهها في المعارك ضد القوات الحكومية ومجموعات عسكرية أخرى؛ مثل قوات العشائر.
واستغل المروجون سياسات تليغرام المتساهلة مع عرض المحتوى العنيف، إذ قام معدو التحقيق بتجربة عدة نماذج تبليغ عن المحتوى العنيف، والنتيجة هي استمرار هذه المنشورات، وتُظهر المنشورات التي تم تصنيفها بأنها دموية وتحتوي صوراً لجثث، أنها لا تزال مستمرة في العرض إلى اللحظة من دون حذف محتوى واحد من هذه المحتويات، فمن أصل 61 منشوراً كان هناك 24% من المنشورات “دموي جداً ويحتوي على جثث بشرية”، و 14% “يحتوي جثثاً من دون دماء”.

كما حلّلنا61 منشوراً موزعة على 35 قناة يصل مجموع مشتركيها إلى 220358 مستخدماً، حصدت 82,762 مشاهدة و72 إعادة مشاركة. ويكشف تحليل المنشورات عن وجود نصوص متطابقة، ووسوم موحدة، ومواد بصرية متكررة تُعاد تدويرها لتبدو حدثاً جديداً في كل مرة.
ومن أصل 61 منشوراً، كان 29 مضللاً صراحةً، في حين تضمن 27 منشوراً محتوى حساس وعنيف، وصنف 15 منشوراً على أنه “دموي جداً”، ويحتوي على جثث بشرية وثمانية منشورات تحتوي على جثث بشرية من دون دماء، وسبعة منشورات دموية بنسبة عالية، جميعها طبيعية ويحتوي بعضها على أشخاص عراة ورجال يحملون أسلحة، وفقاً لتحليل أداة Hive Moderation.
اعتمدت المنشورات على قوالب نشر شبه ثابتة: 20 منشوراً صورةً مع نص، 33 فيديو مع نص، منشور واحد جمع بين الصورة والفيديو، وستة نصوص فقط.
ويكشف توقيت النشر على القنوات عن العلاقة بين الحدث والمنشورات: 14 قناة أُنشئت في 2025؛ أربع منها في تموز/يوليو على وقع أحداث السويداء، وثمان في 2024، وثلاث قنوات في تشرين الثاني/نوفمبر، بالتزامن مع العملية العسكرية “ردع العدوان” التي أفضت أواخر العام 2024 إلى إسقاط النظام السوري السابق – وسبع في 2023، واثنتان عام 2022.
جاءت العملية العسكرية “ردع العدوان” كتصعيد واسع شنّته فصائل معارضة في شمال غرب سوريا أواخر عام 2024 ضد مواقع لقوات النظام وحلفائه، ما جعلها محطة مفصلية انعكس صداها مباشرة على نشاط القنوات الإلكترونية المرتبطة بتغطية تلك الأحداث.
بالاعتماد على بيانات Telemetr، يتضح لنا الامتداد الجغرافي للحملة: 22 قناة تبث من سوريا وأربع من السعودية، فيما لم يُحدد موقع تسع قنوات. تحليل 26 قناة مرتبطة بهذه المنظومة كشف قاعدة مشترِكين تُقارب 401,876؛ بينها 16 قناة من سوريا، وأربع من السعودية، وقناتان من العراق، وواحدة من ماليزيا، وثلاث مجهولة الموقع.
تواريخ الإنشاء تتوزع على قمم الحدث: ست قنوات أنشأت في 2025، وست عام 2024 -اثنتان بالتزامن مع “ردع العدوان”- وست في 2023، إضافة إلى قناتين في 2019 وقناتين في 2018؛ ما يوحي بأن إنشاء القنوات يتسع كلما اندلع طور جديد من الصراع.
في قلب هذه الشبكة تبرز قنوات مرتبطة بالإعلامي محمد جمال، الذي يقدّم نفسه “إعلامياً حربياً في وزارة الدفاع السورية”، وتنطلق قناته من سوريا منذ نيسان/أبريل 2023 بعدد متابعين يبلغ 98,792، مع حضور بصري موحّد (زيّ عسكري، أعلام سورية، وشعار “العُقاب”) وأسماء متقاربة تتكرر فيها لاحقة ˢʸʳⁱᵃ بما يشير إلى منظومة منسّقة لا حسابات فردية معزولة.
إلى جانبه تظهر قنوات لأشخاص بهويات ملتبسة مثل “عبيدة الفراتي ˢʸʳⁱᵃ” ولها 2,767 مشتركاً، التي شاركت في نشر فيديو الأسير المضلِّل قبل حذفها، مع تعريفات متضاربة وجدنا أرشفة للقناة في موقع telemeter وصورة لحساب تعود لشخص قُتل مطلع كانون الأول/ديسمبر 2024، خلال عملية ردع العدوان ويدعى أبو عبد الرحمن.
وكذلك قناة “الإعلامي الحر أبو الشيماء الجنوبي” التي تنشر محتوى مشابهاً دون إمكانية التحقق من هوية صاحبها. في المقابل، تمثّل قناة “أكرم حجازي – المراقب للدراسات والأبحاث” نموذجاً لشخصية عامة معروفة لها حضور بحثي وإعلامي على يوتيوب ومنصة إكس، وتنطلق قناته على تليغرام من سوريا منذ 2017 بعدد 7,673 مشتركاً، لكنها شاركت أيضاً في تداول “فيديو الأسير” المضلّل وفيديو قديم لطبيبة من السويداء أُعيد نشره خارج سياقه على أنه متعلق بأحداث حالية.
أيضا رصدنا نشرها لفيديو مضلل آخر، ادعت أنه لطبيبة “درزية تخرج عن صمتها وتكشف حجم الانتهاكات بحق الأطباء في السويداء بعد اعتداءات المجلس العسكري على الأطباء”، وعند التحقق من الفيديو تبين أنه قديم نشر في شهر أيار/مايو الماضي على شبكة السويداء 24 وليس له علاقة بأحداث اليوم وغير مرتبط بالسياق الحالي.
وبهدف اختبار الأثر الفعلي للغة المستخدمة في هذه الحملة على تشكيل الرأي العام، عرض فريق التحقيق ثمانية نماذج من هذه المنشورات على شبكة تدقيق المعلومات “True Platform”، في إطار طلب تقييمٍ رسمي لطبيعة الخطاب المستخدم فيها.
أظهر التقييم أن ست منها تتضمّن خطاب كراهية صريحاً ولا يقتصر على توصيف انتهاكات مزعومة منسوبة إلى مجموعات مسلّحة، بل ينتقل بشكل منهجي إلى تعميم الاتهام على “ميليشيات الدروز”، و”عصابات الهجري” وسكّان السويداء بوصفهم كتلة واحدة، عبر لغة تُجرِّدهم من الإنسانية، وتربطهم جماعياً بالجريمة، وتستخدم توصيفات أخلاقية مهينة واستعارات حيوانية، بما يضعها في خانة خطاب الكراهية، وفقاً لمعايير تصنيف المحتوى المعتمَدة لدى “True Platform”.
ويتعزز هذا الانطباع مع منشورات تتضمن تشهيراً مباشراً بأشخاص عبر نشر أسمائهم وأرقام هواتفهم، أو تضمين عبارات ذات طابع تهديدي صريح، ما يرفع منسوب التحريض ويحوّله في بعض الحالات إلى دعوة ضمنية أو مباشرة للعنف، خاصة في سياق مشحون بعنف ذي طابع طائفي منذ منتصف تموز/يوليو 2025.
صنّفت الشبكة نموذجاً واحداً بوصفه محتوى مضللاً يعيد تدوير مقطع قديم لعمليات إعدام ميداني في سياق التصعيد الأخير من دون لغة كراهية مباشرة، فيما برز نموذج آخر كخطاب عدائي يركز على “ميليشيات الهجري” تحديداً، مع قابلية واضحة لتحويله إلى تحريض ضمن مناخ الاستقطاب الطائفي السائد.
وعليه، يخلص تقييم “True Platform” إلى أنّ هذه المنشورات -بنصوصها وقوالبها البصرية- تشكّل امتداداً نوعياً لما رصده التحليل الكمي من أنماط وسوم متمركزة حول شخص حكمت الهجري والطائفة الدرزية، وأنها تعمل بوصفها محتوى عنيفاً مُسيساً وخطاب كراهية موجهاً ضد مكون ديني بأكمله، أكثر مما تقدم توثيقاً دقيقاً لانتهاكات قابلة للتدقيق المستقل.
الموجة المضادة
في المقابل، ما بدا للوهلة الأولى موجة “تعاطفية” مع “الدروز”، اتضح، بالتتبع والتحليل، أنه شبكة تعمل بانضباط؛ فخلال عملية الرصد حللنا 74 منشوراً من 30 قناةٍ مترابطةٍ بأشكالٍ متعدّدة: تكرارٌ للصورة والفيديو عينِهما، وإعادة تدوير للنصوص، وتوحيد للوسوم من قبيل:
#السويداء_تحارب_الإرهاب، #السويداء_تحت_الحصار، #أنقذوا_السويداء”، و#المقاومة_الدرزية.
تتبّع العلاقات عبر أداة Telemetr أظهر أن القنوات تتكتل في مجموعات واضحة، تتقاطع فيها مصادر المواد وأساليب الصياغة وتوقيت النشر، بما يحيل إلى حملة منسقة أكثر من كونه تعاطفاً عفوياً.
على مستوى المحتوى البصري، أكد تحليل Hive Moderation أن جميع القنوات نشرت مواد صادمة: صوراً دمويةً وجثثاً بشريةً وأسلحةً وأشخاصاً من دون ملابس، وكلها مواد “طبيعية” غير مُولدة. تَكررت المقاطع على امتداد الشبكة؛ 21 منشوراً صورةً مع نص، منشور واحد صورة فقط، ستة فيديوهات بلا نصوص، و46 فيديو مرفقاً بنص تُقدم المشهد العنيف إلى الواجهة وتترك النصوص لتثبيت الوسوم والاتهامات.
ورغم أن نسبة التضليل أقل من القنوات الموالية للحكومة المؤقتة، فقد سُجلت خمسة منشورات مضللة، إلا أن خطاب الكراهية كان مرتفعاً، فتضمن 12 منشوراً شتائم وأوصافاً حاطة بالكرامة؛ مثل كلمة “خنازير”، و”فطايس”، و”جماعات متطرفة”، و”عصابات الجولاني”.

شبكةُ النشر نفسها تنقسم إلى كتلتين بارزتين. الأولى تُظهر تنسيقاً عالياً في التوقيت والمحتوى، مع إعادة تدويرٍ للنصوص والصور والفيديوهات والوسوم، وتَبرز فيها قنواتٌ تحمل الرمز “313” (المرجعي لدى الطائفة الشيعية). مصادر هذه القنوات متنوّعةٌ جغرافياً بين سوريا والسعودية والعراق، وأسماؤها لا تُحيل حصراً إلى السويداء بل تغطي الجغرافيا السورية الأوسع.
الكتلة الثانية تُنسَب إلى الناشط السياسي والإعلامي شادي أبو عمار، وهو لاجئ من أبناء السويداء يقيم في هولندا برز منذ عام 2022 كأحد الأصوات المعارضة للنظام السوري السابق، وتجاوز عدد متابعي قناته على تلغرام 35 ألفاً مع متوسط مشاهدات بالآلاف لكلّ منشور؛ تنسيقٌ أقلّ حدة، لكن مع وسومٍ موحدة وتبادل محتوى داخل المجموعة؛ انطلقت كذلك من سوريا والعراق والسعودية، وأنشئ معظمها عقب سقوط النظام السابق في كانون الأول/ديسمبر 2024، وتحمل أسماءً تُصرح بالانتماء إلى السويداء؛ مثل “المقاومة الدرزية”، و”أخبار الجبل”، و”صوت السويداء”، مع قناة باسم شادي أبو عمار التي تنطلق من العراق.
مجموع مشتركي القنوات الثلاثين يقارب 277,543 مستخدماً؛ حصدت المنشورات الـ74 نحو 263,726 وصولاً و912 إعادةَ مشاركة. جغرافياً، تُنسب 17 قناةً إلى سوريا، وخمس قنوات إلى السعودية، وأربع إلى العراق، وست غير محددة.
زمنياً، 22 قناةً من أصل 30 وُلدت بعد “سقوط النظام”، وثمان قنوات بعد 25 نيسان/أبريل 2025، وهي فترةُ التصعيد ضد “الدروز” في السويداء وريف دمشق؛ أربع قنوات أُنشئت خلال آخر موجة تصعيد، وثلاث بلا تاريخ متاح، فيما تعود قناة إلى 2022، وقناتان إلى 15 شباط/فبراير 2024، وأخرى إلى 4 آب/أغسطس 2024، وأخرى إلى عام 2023.
أما حساسيّة المواد وفق Hive Moderation، فـ29 منشوراً جاءت “دمويةً جداً”، وأكثر الصور والفيديوهات تضمنت جثثاً ورجالاً بلا ملابس وأسلحة، مع التعرف على طفل في منشور واحد عنيف.
وبالاستناد إلى هذا السياق، يربط تقييم شبكة تدقيق المعلومات «True Platform» بين المعطيات الكمية التي كشفتها أدوات الرصد (شبكة قنوات متشابكة، مواد بصرية عنيفة، ووسوم موحَّدة تتمحور حول السويداء والدروز) وبين طبيعة الخطاب الذي يرافقها. فبيّن التقييم على 11 منشوراً أن ثلاثاً منها تكتفي بوصف ما يُقدَّم كـ«مجازر» بحق عائلات مدنية أو بالتساؤل عن إشراك الأطفال في القتال، من دون شتائم طائفية أو تعميمات على جماعة بعينها. في المقابل، تضمّ سبعة نماذج ألفاظاً تحقيرية ونزعاً للصفة الإنسانية وتمجيداً للعنف، من استخدام تعابير مثل «فطايس» و«خنازير» بحق الخصوم وأهالي مناطق أخرى، إلى عبارات صريحة من نوع «لما بقول إحرق واطحن، صدّقني» أو لعن طائفة دينية كاملة، فضلاً عن ربط خصوم متنوعين بـ«القاعدة» أو «عصابات الجولاني» في سياق لا يقدّم دائماً سنداً واضحاً ويُضفي على تصفيتهم طابعاً احتفائياً. أما النموذج الأخير فهو مقطع صامت يظهر فيه مقاتل يُعتقد أنه درزي يصفع أسيراً مقيّداً؛ لا يتضمّن النص المرافق له خطاب كراهية، لكن إدراجه في سياق نزاع ذي بعد طائفي يجعله جزءاً من سردية تَطبيع الإذلال والعنف، أكثر منه توثيقاً محايداً.
وعليه، يخلص هذا التقييم المؤسّس إلى أنّ محتوى هذه «الموجة المضادّة» – بنصوصه الانفعالية وصوره ومقاطعه العنيفة – يشكّل امتداداً نوعياً لما كشفه التحليل الكمي من شبكة قنوات ووسوم متمركزة حول السويداء والدروز، وأنه يتحوّل في جزءٍ ملموس منه إلى محتوى عنيف مُسَيَّس وخطاب كراهية متبادل يرسّخ الاستقطاب الطائفي ويُطَبِّع الإهانة والعنف، أكثر ممّا يقدّم رواية دقيقة ومتوازنة للانتهاكات التي يدّعي توثيقها.
الرصد والتبليغ
في ذروة التوتر الذي رافق أحداث السويداء الأخيرة، ظهرت مبادرة “بلغ” كآلية عملية لرصد خطاب الكراهية في لحظته الأولى. يشرح منسق مبادرة مكافحة خطاب العنف والكراهية، محمد الجسيم، أن المنصة تسير في مسارين متوازيين: الأول رابط مفتوح يضع أمام أي مستخدم فرصة تزويد الفريق بمحتوى محدد ليُعاد تقييمه ثم يُخاطب به أصحاب الصلاحية في البلد المعني؛ والثانية مسار إرشادي داخل المنصة يقدم خرائط التبليغ القانونية بحسب كل بلد، بحيث لا يضيع المبلغ بين تشريعات متباينة وإجراءات معقدة.
وصل المبادرة قرابة 250 بلاغاً حتى الآن، نحو 40% منها خرجت من التصنيف بسبب روابط غير صالحة أو نقص في المعلومات، في حين أظهرت العينات المصنفة ما يقرب من 30 حالة تحريض مباشر على العنف وقرابة 35 حالة خطاب كراهية صريح، وتفاوتت البقية بين إيحاءات أقل وضوحاً.
بحسب منسق المبادرة، فإن معظم البلاغات تأتي من “فيسبوك”، يليه تليغرام ثم “إكس”، فيما يتسرب الخطاب ذاته عبر المنصات ومن الحسابات نفسها. تتضاعف الخطورة داخل مجموعات واتساب وتليغرام المغلقة، بما فيها حالات مُمنهجة استهدفت طلاباً دروزاً في كلية الطب بجامعة دمشق، وسط تحديات تقنية تتمثل في تكرار المحتوى واستحالة الإغلاق السريع، وقانونية متمثلة في اشتراط الولاية القضائية المشتركة. بعد الاستلام، تُقيم المواد، وتُتحقق الهويات، وتُتخذ الإجراءات المتاحة.
ولمواجهة تصاعد خطاب الكراهية في سوريا، تعمل المبادرة على ثلاثة ملفات؛ الأول تطوير المسار القانوني وتحالفاته، وبناء “قاموس كراهية” سوري لتدريب نموذج لغوي يرصد الخطاب بلهجاته ورموزه، وحملة توعوية بعنوان “خبز وملح” تتقاطع مع السرديات عبر شخصيات تراثية ومشاهد درامية. وتُعد تقارير دورية تلخص أنماط البلاغات ونتائجها، فيما يظل باب التبليغ مفتوحاً تحت رقابة مهنية تضمن الدقة وسلامة الإجراءات، وفق مؤسس المبادرة.
ثغرات الرقابة الرقمية
قام فريق التحقيق بإجراء مراجعة شاملة لسياسات نشر المحتوى بين ثلاث منصّات رقمية؛ وهي ميتا، وإكس، وتليغرام، إذ تُظهر المقارنات أنّ لـ تليغرام سياسة متساهلة أو غاضة عن المحتوى العنيف أو الحض على الكراهية؛ فهو يكتفي في أغلب الأنواع الضارة، بالاعتماد على التبليغات اللاحقة بدل رصدٍ استباقي، ولا يمتلك آلية فعالة مضادّة للتضليل، ما يُطيل عمر المحتوى العدائي ويمنحه فرصة للانتشار؛ ومع أنه يحظر بقسوة محتوى الاستغلال الجنسي للأطفال، فإن هذا الاستثناء لا يغير من نمط التساهل العام مع الكراهية والعنف والتضليل.
كما أن “ميتا” مثلاً انتقلت منذ مطلع عام 2025 إلى معايير أقل صرامة تُبقي مساحة أوسع لتعابير مسيئة تحت عنوان “السِجال العام”، وخفضت اعتمادها على التحقق الخارجي لصالح آليات سياقية تُشبه “ملاحظات المجتمع”، بالإضافة إلى انتقادات قديمة متجددة لخوارزميتها التي تميل إلى ترجيح المحتوى المُثير بما فيه التحريض والمعلومات الخاطئة لأنه يحفز التفاعل.
ورغم أن “إكس” يمتلك سياسات مكتوبة ضد الاستهداف على أساس خصائص محمية، ويستخدم “Community Notes” كأداة مقاومة جماعية للتضليل، لكن تطبيق السياسات بات أكثر تذبذباً منذ عام 2022، وترصد دراسات، مثل دراسة لخبراء من جامعة كاليفورنيا الأميركية، ارتفاعاً ملموساً في خطاب الكراهية، عقب تغيير ملكية المنصة.


يبيّن تحليل البيانات أنّ ما رافق أحداث السويداء لم يكن مجرّد انفلات لغوي عابر، بل منظومة من القنوات التي تعيد تدوير المقاطع الدموية والوسوم الموحّدة، بما يرسّخ سرديات طائفية مستدامة. هذا النمط من الإنتاج المتكرّر للمحتوى يتجاوز توثيق الانتهاكات أو نقل الأخبار إلى صياغة رواية محدَّدة للصراع.
في المقابل، تُظهر ثغرات الإبلاغ والرقابة في المنصّات عجز الأطر الحالية عن التعامل مع هذا المحتوى المنسّق، وتترك العبء لمبادرات مدنية محدودة ولجهود التحقّق والتفنيد. ويخلص التحقيق إلى أنّ الحدّ من خطاب الكراهية في سياق هشّ كالسياق السوري الراهن لا يقتصر على تطوير أدوات المنصّات، بل يتطلّب أيضاً أُطراً قانونية محلية أوضح، وتنسيقاً منهجياً بين القضاء والهيئات الرقابية والمبادرات المتخصّصة.
* أُعِدَّ هذا التحقيق من قبل فريق من الصحفيين ضمن مشروعٍ ينفّذه المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، بدعمٍ من منظمة NED، وبالتعاون في النشر مع مجلة صور.
نُشر التحقيق في مجلة صور بتاريخ 2 كانون الثاني/يناير 2026




