الإخفاء القسري في سوريا: جريمة مستمرة رغم تغيّر السلطات
30 آب/أغسطس 2025 – يذكّر المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، في اليوم العالمي لضحايا الإخفاء القسري، بأن هذه الجريمة لا تزال من أعقد الملفات وأكثرها إيلاماً في سوريا. وقد استخدمها النظام السوري في عهدي حافظ وبشار الأسد ضد المعارضين/ـات السياسيين والمدافعين/ـات عن حقوق الإنسان.
منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011 تصاعد حجم هذه الجريمة بشكل غير مسبوق حيث وثق مشروع توثيق الانتهاكات في المركز ما يزيد على 95 ألف حالة إخفاء قسري، معظمها ارتكبتها أجهزة نظام الأسد، في ظل إفلات تام من العقاب كرسته القوانين وممارسات مختلف أطراف الصراع لعقود طويلة، حتى بات تحقيق العدالة وسيادة القانون والسلام المستدام أمراً غير ممكن دون معالجة شاملة لهذه القضية.
لكن المأساة لم تتوقف بسقوط النظام، وتبيّن الوقائع بوضوح أن الإخفاء القسري لا يزال سلاحاً يُستخدم لتصفية الحسابات وتعميق الانقسامات المجتمعية وتقويض أي مسعى نحو الاستقرار.
وفي هذا السياق، يواصل المركز رصد وتوثيق جريمة الإخفاء القسري على أيدي جهات متفرقة، نشارك منها، بأرقام تقريبية:
- إدارة العمليات العسكرية قبل تشكيل الحكومة الانتقالية مسؤولة عن 17 حالة منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.
- الحكومة الانتقالية منذ 13 آذار/مارس 2025 مسؤولة عن 75 حالة.
- الجيش الإسرائيلي/جهات إقليمية مسؤولة عن 28 حالة منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.
- الإدارة الذاتية مسؤولة عن 166 حالة منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.
وعن ذلك، قال مازن درويش، مدير المركز السوري للإعلام وحرية التعبير: “الإخفاء القسري يُقوّض أي فرصة لبناء دولة القانون أو تحقيق المصالحة. إنّ استمرار هذه الممارسة على أيدي أطراف مختلفة بعد سقوط النظام يثبت أن كشف الحقيقة وضمان العدالة ليس ترفاً سياسياً، بل شرطاً أساسياً لأي سلام مستدام.”
إنّ معالجة ملف المُخفَين والمُخفَيات قسرياً لا يمكن أن تُعتبر مسألة ثانوية أو مؤجلة، بل يجب أن تكون مدخلاً أساسياً لمسار العدالة الانتقالية في سوريا، فالكشف عن مصير الضحايا، وضمان حقوق ذويهم، ومحاسبة الجناة، وإدماج البعد الجندري في معالجة ملف المُخفَين والمُخفَيات قسرياً، وتوفير دعم خاص للنساء والأطفال، تمثل جميعها شروطًا لا غنى عنها لبناء الثقة بين السوريين وتهيئة بيئة قادرة على تحقيق السلام.
وعليه يشدد المركز على أن تحقيق العدالة لا يكتمل دون تمكين السوريين من الحق في المحاكمة العادلة أمام قضاء مستقل ونزيه، بما ينسجم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان. إن غياب هذا الحق كان من أبرز أسباب استمرار جريمة الإخفاء القسري، وإذا لم يتم تكريسه في النظام القضائي السوري ستبقى أبواب الانتهاكات مشرّعة.
إن المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، إذ يشجب بشدّة استمرار جريمة الإخفاء القسري في سوريا، يذكّر بأنّ هذه الجريمة هي جريمة مستمرّة لا تسقط بالتقادم ولا تنتهي إلا بكشف مصير جميع المُخفَين والمخفيات قسرياً. ويؤكد المركز دعمه الكامل للهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا، كما يشددّ على مسؤولية الحكومة السورية في التعامل الجاد مع هذه القضية من خلال:
- دعم جهود الكشف عن مصير آلاف المُخفَين والمخفيات قسرياً والمفقودين والمفقودات في سوريا، وتوفير كل ما يلزم من دعم للهيئة الوطنية للمفقودين لتمكينها من القيام بعملها بشكل فعّال.
- إطلاق سراح جميع المعتقلين تعسفياً دون قيد أو شرط.
- تمكين الضحايا وعائلاتهم من الوصول إلى العدالة والإنصاف وتوفير جبر ضرر شامل لهم دون أي تمييز، بما في ذلك التعويض المادي والمعنوي، وإعادة التأهيل، وضمان عدم التكرار.
- محاسبة جميع المسؤولين عن هذه الجريمة من كل الأطراف، من خلال آليات قضائية مستقلة وشفافة للتحقيق وضمان عدم الإفلات من العقاب وعدم تكرار الانتهاكات.
- المصادقة على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية
إنّ إنهاء مأساة المُخفَين قسرياً شرط لا غنى عنه لتحقيق العدالة الانتقالية، ومفتاح لبناء سوريا تقوم على سيادة القانون وحقوق الإنسان.